اقتصادالرئسيةمجتمع

الاكتئاب.. فاتورة المغرب الخفية بـ21 مليار دولار

الاكتئاب في المغرب: كلفة صامتة تهدد الصحة والإنتاج والاقتصاد

اعتادت الحكومات قياس نجاحها بمعدلات النمو وحجم الاستثمارات وعدد المشاريع الكبرى، لكن هناك مؤشراً أكثر صدقاً لا يظهر في البلاغات الرسمية ولا في تقارير الإنجازات، وهو الحالة النفسية للمواطن. 

يجد بعض الناس صعوبة في التواصل إذا كانوا يشعرون بالاكتئاب وبسبب هذا قد يصبحون منعزلين

فعندما يصبح الاكتئاب قادراً على استنزاف أكثر من “21 مليار دولار” من الاقتصاد المغربي خلال ربع قرن، فإن القضية لم تعد شأناً صحياً يهم الأطباء وحدهم، بل تحولت إلى أزمة تنموية تكشف أن كلفة إهمال الإنسان قد تكون أكبر من كلفة أي أزمة اقتصادية.

وهذا ما خلصت إليه دراسة علمية دولية نشرتها مجلة “Nature Medicine” في أواخر يوليوز 2026، بعدما قدرت الخسائر الاقتصادية المرتبطة بالاكتئاب في المغرب بنحو “21.232 مليار دولار” خلال الفترة الممتدة بين 2025 و2050، محسوبة وفق أسعار سنة 2024، وهو ما يعادل حوالي 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي التراكمي للمملكة، مع خسارة متوسطة تبلغ 493 دولاراً للفرد.

نزيف اقتصادي لا يظهر في الموازنات

لا تتجسد هذه المليارات في فواتير العلاج فقط، بل في آلاف أيام العمل الضائعة، وتراجع الإنتاجية، وارتفاع الغياب المهني، وانخفاض القدرة على الابتكار والإبداع، إنها خسائر لا تُرصد بسهولة في المؤشرات المالية، لكنها تستنزف الاقتصاد تدريجياً وتضعف تنافسيته.

وتكتسب هذه النتائج مصداقية أكبر لأن الباحثين اعتمدوا نموذجاً اقتصادياً شمل 154 دولة تمثل نحو 96% من سكان العالم، مستندين إلى بيانات البنك الدولي ودراسة العبء العالمي للأمراض، في محاولة لقياس الأثر طويل الأمد للاكتئاب على الاقتصادات الوطنية.

الضغوط الاجتماعية تصنع فاتورة الاقتصاد

قد لا يكون الاكتئاب وليد سبب واحد، لكنه غالباً ما يتغذى على بيئة يطبعها القلق وعدم اليقين، ففي المغرب، حيث ما تزال البطالة، خصوصاً في صفوف الشباب، تشكل تحدياً هيكلياً، وحيث تؤثر موجات غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية في ملايين الأسر، تصبح الصحة النفسية مرآة لواقع اجتماعي أكثر تعقيداً.. فالعامل المرهق نفسياً تقل إنتاجيته، والطالب الذي يعاني اضطراباً نفسياً تتراجع فرص نجاحه، ورب الأسرة الذي يعيش تحت ضغط دائم يصبح أقل قدرة على العمل والعطاء.. وهكذا لا تبقى الأزمة داخل جدران المستشفى، بل تنتقل إلى المدرسة والمقاولة والإدارة والأسرة، لتتحول في النهاية إلى خسارة اقتصادية جماعية.

التنمية لا تُقاس بالإسمنت وحده

وتكشف الدراسة أن الاستثمار في الصحة النفسية لم يعد خياراً اجتماعياً أو ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله، بل أصبح جزءاً من معادلة النمو الاقتصادي، فلا يمكن الحديث عن رفع الإنتاجية أو تحسين التنافسية أو جذب الاستثمار، في وقت يخسر فيه الاقتصاد جزءاً من طاقته البشرية بسبب اضطرابات نفسية قابلة للتشخيص والعلاج والوقاية.

وهنا يبرز البعد السياسي للقضية؛ فنجاح أي نموذج تنموي لا يقاس فقط بما يُشيَّد من طرق وموانئ ومناطق صناعية، بل أيضاً بقدرته على حماية الإنسان الذي سيعمل داخلها، فالثروة الحقيقية لأي دولة ليست البنية التحتية، وإنما المواطن القادر على الإبداع والإنتاج والمشاركة في الدورة الاقتصادية.

إنذار لا يجوز تأجيله

الرقم الذي كشفته “Nature Medicine” ليس مجرد توقع اقتصادي، بل رسالة واضحة مفادها أن تجاهل الصحة النفسية يحمل ثمناً باهظاً، فكل تأخر في الوقاية، وكل نقص في خدمات العلاج والدعم النفسي، لا يدفع فاتورته المرضى وحدهم، بل الاقتصاد الوطني بأكمله.

ولعل أخطر ما تكشفه هذه الدراسة أن الاكتئاب لم يعد أزمة فردية تُعالج داخل العيادات، بل أصبح مؤشراً على جودة السياسات العمومية نفسها، فالاقتصاد الذي يخسر أكثر من 21 مليار دولار بسبب اضطراب نفسي، لا يعاني فقط من مشكلة صحية، بل يواجه اختباراً حقيقياً في قدرته على حماية أهم رأسمال يملكه… الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى