
تحقيقات “دركي الرساميل” تضع نزاهة السوق تحت المجهر
تحرير: جيهان مشكور
لا تنهار الأسواق المالية بسبب الأزمات الاقتصادية وحدها، بل قد تتعرض لاهتزازات أشد خطورة عندما تتآكل الثقة التي تقوم عليها.. فالبورصة ليست مجرد شاشة تعرض أسعار الأسهم، بل منظومة متكاملة تُبنى على الشفافية، وعدالة المنافسة، وتكافؤ الفرص بين جميع المستثمرين.
وعندما تظهر تحركات مالية لا تفسرها المؤشرات الاقتصادية أو نتائج الشركات أو الإفصاحات الرسمية، فإن الأمر يتجاوز حدود المضاربة الطبيعية، ليطرح أسئلة جوهرية حول سلامة السوق وقدرتها على حماية أموال المستثمرين.
وفي هذا السياق، استنفرت الهيئة المغربية لسوق الرساميل، بصفتها الجهة المكلفة قانوناً بالسهر على نزاهة السوق، أجهزتها الرقابية بعدما رصدت سلسلة من أوامر البيع والشراء المتلاحقة على بعض الأسهم خلال فترات زمنية وجيزة، دون وجود معطيات مالية أو مستجدات جوهرية تبرر هذا النشاط غير الاعتيادي، ما فتح الباب أمام فرضيات تتعلق بإمكانية وجود ممارسات تستوجب التدقيق والتحري.
تحقيق يتتبع مسار الأموال قبل حركة الأسهم
وانتقلت الهيئة من مرحلة المراقبة إلى التحقيق الميداني، عبر مراجعة سجلات شركات الوساطة المالية التي نفذت أوامر التداول، بهدف تحديد هوية أصحاب التعليمات، والكشف عن المستفيدين الفعليين من هذه العمليات، إضافة إلى التحقق من مصادر الأموال المستعملة، ومدى احترامها للمقتضيات القانونية والتنظيمية المؤطرة لسوق الرساميل.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية بالغة، لأن أساليب التلاعب في الأسواق المالية أصبحت أكثر تطوراً وتعقيداً، فلم تعد تقتصر على استغلال المعلومات الداخلية أو ترويج الإشاعات، بل تشمل أيضاً تنفيذ عمليات بيع وشراء متكررة لإيهام المتعاملين بوجود طلب أو عرض حقيقي، بما يدفعهم إلى اتخاذ قرارات استثمارية مبنية على إشارات مضللة، وهي ممارسات تجرمها التشريعات المالية في مختلف الأسواق المتقدمة.
الثقة… رأس المال الذي لا يعوض
اقتصادياً، لا تكمن خطورة هذه الممارسات في تقلب أسعار بعض الأسهم فحسب، بل في قدرتها على تقويض الثقة في السوق ككل، فبورصة الدار البيضاء تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أهم قنوات تمويل المقاولات الوطنية، وإلى فضاء يستقطب شريحة متزايدة من المستثمرين الأفراد والمؤسساتيين، مستفيداً من تحسن نتائج عدد من الشركات المدرجة وتنامي الاهتمام بالاستثمار المالي.
لكن التجارب الدولية أثبتت أن الأسواق لا تفقد جاذبيتها بسبب تراجع المؤشرات وحده، بل عندما يشك المستثمر في نزاهة قواعد اللعبة، فقد شهدت أسواق مالية كبرى في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا قضايا تلاعب دفعت السلطات إلى فرض غرامات بملايين الدولارات وتشديد آليات الرقابة، بعدما تبين أن عدداً محدوداً من المتعاملين تمكن من التأثير في الأسعار والإضرار بمصالح آلاف المستثمرين.
قضية تمس الاقتصاد والمجتمع معاً
ولا يقتصر أثر أي تلاعب محتمل على المتعاملين داخل البورصة، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع، فصناديق التقاعد، وشركات التأمين، وهيئات الاستثمار الجماعي، تستثمر جزءاً مهماً من أصولها في سوق الرساميل، ما يعني أن أي اضطراب في نزاهة السوق قد ينعكس بصورة غير مباشرة على مدخرات ملايين المواطنين، وعلى قدرة المقاولات على تعبئة التمويلات اللازمة للتوسع وخلق فرص الشغل.
كما أن استقرار السوق المالية يشكل أحد المؤشرات الأساسية التي يعتمد عليها المستثمرون الدوليون عند تقييم مناخ الأعمال، لذلك فإن حماية البورصة لم تعد قضية تقنية تخص المتخصصين، بل ركيزة من ركائز الأمن الاقتصادي للدولة.
المغرب أمام اختبار الحكامة المالية
وتأتي هذه التحقيقات في مرحلة يسعى فيها المغرب إلى تعزيز مكانته كوجهة إقليمية للاستثمار، مستفيداً من أوراش اقتصادية كبرى وإصلاحات هيكلية متواصلة، غير أن جذب الرساميل المحلية والأجنبية لا يتحقق بالمؤشرات الاقتصادية وحدها، بل بمدى قوة المؤسسات الرقابية، واستقلاليتها، وسرعة تدخلها، وقدرتها على فرض القانون على جميع المتعاملين دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، يمثل التحقيق الجاري اختباراً عملياً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المنظومة المالية، ورسالة بأن نزاهة السوق ليست خياراً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار النمو وتعزيز الثقة.
الرسالة الأهم… لا استثمار بلا ثقة
لا يقتصر الرهان الحقيقي اليوم، على تحديد هوية المتعاملين أو تفسير دوافعهم، بل يتمثل في حماية سمعة بورصة الدار البيضاء، وترسيخ قناعة لدى المستثمرين بأن الأسعار تصنعها معطيات الاقتصاد الحقيقي، لا المضاربات المشبوهة ولا النفوذ المالي.
فقد ترتفع الأسهم أو تنخفض، وقد تحقق الأسواق مكاسب أو تتكبد خسائر، لكن الخسارة التي يصعب تعويضها هي فقدان الثقة، فالسوق التي يحكمها القانون تجذب الاستثمار، أما السوق التي تحوم حولها الشبهات، فإنها تدفع رؤوس الأموال إلى البحث عن ملاذات أكثر أمناً وشفافية.





