
هل تحوّلت السلامة الطرقية إلى اقتصاد للغرامات بدل اقتصاد للوقاية؟
سجلت مصالح الأمن الوطني 53 ألفاً و27 مخالفة للسير، وأنجزت 7977 محضراً أحيلت على النيابة العامة، فيما جرى استخلاص 45 ألفاً و50 غرامة صلحية بقيمة بلغت 9 ملايين و888 ألفاً و250 درهماً في أسبوع واحد، بين 10 و16 غشت الجاري، كما وضعت 5510 عربات بالمحجز البلدي، وسحبت 7977 وثيقة، وأوقفت 633 مركبة.
لكن خلف هذا السيل من المحاضر والأرقام المالية، توجد حصيلة أكثر قسوة تتمثل في 2073 حادثة سير داخل المناطق الحضرية، أودت بحياة 31 شخصاً وأصابت 2876 آخرين، بينهم 131 إصابة بليغة.
وبمعيار المتوسط، يعني ذلك أكثر من 296 حادثة يومياً، ونحو 4 وفيات و411 جريحاً كل يوم خلال أسبوع واحد.. وهنا تصبح السلامة الطرقية أكبر بكثير من مجرد مخالفة وغرامة؛ إنها قضية تمس الأسرة، والصحة، والشغل، والإنفاق العمومي.
حين تصبح الحادثة فاتورة على الأسرة والاقتصاد
الرقم الأكثر إثارة للانتباه ليس فقط 9.88 ملايين درهم التي دخلت إلى صندوق الدولة، بل الكلفة التي لا تظهر في كشوف الغرامات: علاج المصابين، إعادة التأهيل، فقدان أيام العمل، العجز الدائم، وتعطل مصادر دخل الأسر.
فإصابة بليغة واحدة قد تعني سنوات من العلاج أو فقدان القدرة على العمل، بينما وفاة معيل أسرة لا يمكن اختزال خسارتها في محضر معاينة.
وتزداد المفارقة وضوحاً حين نضع الحصيلة الأسبوعية في سياق وطني أوسع، فقد تجاوز عدد الوفيات الناجمة عن حوادث السير 4000 وفاة خلال 2024، وفق المعطيات التي قدمتها الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية، في وقت سجلت فيه الإصابات الخطيرة ارتفاعاً لافتاً.
أي أن المشكلة ليست انفلاتاً موسمياً عابراً، وإنما تحدٍ بنيوي يتطلب سياسة مستمرة.
المشكلة ليست في غياب القانون.. بل في السلوك
الأخطر أن الأسباب التي حددتها المديرية العامة للأمن الوطني ليست مجهولة: عدم انتباه السائقين، عدم احترام حق الأسبقية، عدم انتباه الراجلين، السرعة المفرطة، عدم التحكم، تغيير الاتجاه غير المسموح به، عدم ترك مسافة الأمان، تجاوز الإشارات، السياقة في حالة سكر والتجاوز المعيب.
بمعنى آخر، جزء كبير من النزيف يحدث بسبب سلوكيات قابلة للردع والتغيير.
وهذا يفرض الانتقال من منطق «اصطياد المخالفة» إلى منطق “منع الحادث” و ذلك بمراقبة النقاط السوداء، حماية الراجلين، تحسين التشوير، إعادة هندسة الطرق، وتشديد الرقابة على السلوكيات الأكثر خطورة.
الدراجات النارية.. الحلقة الأكثر هشاشة
وتزداد صعوبة المعادلة مع التحول الكبير في تركيبة ضحايا الطرق، فقد أفادت معطيات رسمية قُدمت في فبراير 2026 بأن مستعملي الدراجات النارية مثلوا نحو ‘45% من ضحايا حوادث السير خلال 2025″، بينما أشارت معطيات سابقة إلى وصول حصتهم من الوفيات إلى “63% سنة 2024.
وهنا تتقاطع السلامة الطرقية مع الاقتصاد الحضري: الدراجات ليست مجرد وسيلة تنقل، بل أداة عمل ودخل لآلاف المغاربة، ما يجعل حمايتها قضية اجتماعية أيضاً.
8 مليارات درهم أمام اختبار حقيقي
دخل المغرب بالفعل مرحلة جديدة من السياسة الطرقية، إذ خصصت الدولة “أكثر من 8 مليارات درهم للاستراتيجية الوطنية للسلامة الطرقية 2026-2030″، وفق معطيات وزارة النقل واللوجستيك، مع اعتماد مخطط عمل ومؤشرات للتتبع والتقييم.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار السياسي الحقيقي: هل ستتحول هذه الاستثمارات إلى انخفاض ملموس في الوفيات والإصابات، أم ستظل السلامة الطرقية أسيرة الحملات الموسمية والمراقبة الزجرية؟
لأن الدولة تستطيع أن تحصي “53 ألف مخالفة في أسبوع”، وتستخلص ملايين الدراهم من الغرامات، لكن النجاح الحقيقي يبدأ عندما ينخفض عدد المحاضر لأن السلوك نفسه تغيّر، وتنخفض الحوادث لأن الطريق أصبح أكثر أماناً.
فالسلامة الطرقية الناجحة ليست تلك التي تملأ المحاضر أو صندوق الدولة، بل تلك التي تترك المقاعد في سيارات الإسعاف فارغة، وتحول الطريق من فضاء يومي للمخاطرة إلى حق أساسي في الحياة.





