اقتصادالرئسيةشواهد على التاريخ

عبد العالي بنعمور.. بصمة لا تُنسى

توفي، أمس الخميس 24 شتنبر 2026، الاقتصادي والأستاذ الجامعي عبد العالي بنعمور، عن عمر ناهز 85 سنة، بعد مسار مهني وفكري طويل ترك خلاله بصمته في التعليم العالي والاقتصاد والتدبير والعمل المؤسساتي بالمغرب.

ونعت مؤسسة الدراسات العليا للتدبير HEM مؤسسها، معربة عن حزنها العميق لرحيله، ومستحضرة المسار الذي بدأه سنة 1988 عندما أطلق معهد الدراسات العليا للتدبير، في مبادرة جعلت من التكوين في الإدارة والتدبير والاقتصاد رافعة لتأهيل أجيال جديدة من الأطر المغربية.

من مدرجات الجامعة إلى صناعة مدرسة في التدبير

ولد عبد العالي بنعمور في 10 شتنبر 1941، وتابع دراسته في العلوم الاقتصادية بالمغرب قبل أن يواصل تكوينه العالي في فرنسا، حيث حصل على دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية من جامعة السوربون سنة 1968. وبعد عودته إلى المغرب، ارتبط اسمه بالتدريس الجامعي، إذ درس بجامعتي محمد الخامس بالرباط والحسن الثاني بالدار البيضاء على مدى عقود.

ولم يقتصر حضوره الأكاديمي على التدريس، فقد تولى بين 1971 و1976 إدارة المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات، قبل أن يؤسس سنة 1988 مؤسسة HEM، التي ستتحول مع مرور السنوات إلى واحدة من المؤسسات البارزة في مجال التعليم العالي الخاص والتكوين في التدبير بالمغرب.

وكان مشروع HEM بالنسبة إلى بنعمور أكثر من مجرد مؤسسة للتكوين؛ فقد ارتبط برؤية تقوم على الجمع بين المعرفة الأكاديمية والانفتاح على عالم المقاولة والاقتصاد، وعلى إعداد أطر قادرة على مواكبة التحولات التي كان المغرب يعيشها.

الاقتصاد والمنافسة.. من التفكير إلى المؤسسة

إلى جانب حضوره في الجامعة والتعليم العالي، راكم عبد العالي بنعمور تجربة واسعة في المجال الاقتصادي والمؤسساتي.

ففي غشت 2008، عُيّن رئيساً لمجلس المنافسة، وظل على رأس المؤسسة إلى سنة 2018. وخلال هذه المرحلة ارتبط اسمه بالدفاع عن تطوير الإطار المؤسساتي والقانوني للمنافسة، وتوسيع صلاحيات المجلس وتعزيز قدرته على الاضطلاع بدوره في تنظيم الحياة الاقتصادية.

ويؤكد تقرير رسمي للمجلس أن بنعمور كان من الداعين إلى الانتقال بالمؤسسة من الدور الاستشاري إلى ممارسة اختصاصات تقريرية أكثر فعالية.

وكان الرجل ينظر إلى المنافسة باعتبارها جزءا من بناء اقتصاد حديث، وليس مجرد آلية تقنية لضبط السوق، وهو ما جعل حضوره في النقاش الاقتصادي يتجاوز حدود الوظيفة المؤسساتية إلى المساهمة في النقاش العمومي حول طبيعة النموذج الاقتصادي وقواعد الحكامة الاقتصادية.

رجل اقتصاد حمل أيضا تجربة في الشأن العام

لم يكن مسار بنعمور أكاديمياً واقتصادياً فقط، فقد انخرط في الحياة العامة والسياسية خلال مرحلة سابقة من حياته، وانتُخب نائباً برلمانياً عن مدينة الدار البيضاء باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بين 1976 و1981، كما شغل مسؤوليات منتخبة على المستوى الجماعي بالمدينة.

كما شارك في عدد من الهيئات واللجان الوطنية، من بينها اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين، وكان عضواً في مجلس بنك المغرب، وشارك في هيئات وطنية مرتبطة بالتفكير في الإصلاح وقضايا المجتمع والدولة. كما كان عضواً بالمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وشارك في الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة.

مؤلفات وانشغال دائم بسؤال الإصلاح

امتد اهتمام الراحل أيضاً إلى الكتابة والتأليف، حيث تناول في أعماله قضايا الاقتصاد والتنمية والتعليم، من بينها مؤلفات حول الوساطة المالية والتنمية الاقتصادية بالمغرب، والمحاسبة الوطنية، وقضايا إصلاح المدرسة المغربية.

وكان كتابه «إعادة التفكير في المدرسة» تعبيراً عن انشغاله المبكر بإشكالات التعليم، باعتباره أحد المفاتيح الأساسية لبناء المجتمع والاقتصاد. كما أسس جمعية «بدائل» التي تحولت إلى فضاء للتفكير والنقاش حول الاقتصاد والتعليم وقضايا المجتمع.

إرث يتجاوز المناصب

برحيل عبد العالي بنعمور، يفقد المغرب واحداً من أبناء جيل جمعوا بين التكوين الأكاديمي والانخراط في الشأن العام والعمل المؤسساتي.

وقد تتعدد زوايا قراءة تجربته، بين من يستحضر الأستاذ الجامعي، ومن يتذكر مؤسس HEM، ومن يستعيد رئيس مجلس المنافسة، أو البرلماني والفاعل في قضايا الإصلاح. لكن القاسم المشترك بينها جميعاً هو أن الرجل اختار، طوال عقود، الاشتغال في المساحات التي تتقاطع فيها المعرفة والاقتصاد والتعليم والمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، فإن رحيله لا يختصر في خبر وفاة شخصية اقتصادية وأكاديمية، بل يمثل نهاية فصل من مسار جيل من المثقفين والاقتصاديين المغاربة الذين حاولوا أن يجعلوا من المعرفة أداة للمساهمة في بناء المؤسسات وتحديث الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى