اقتصادالرئسية

طنجة المتوسط في قلب حسابات موسكو

من الوقود الروسي إلى مجلس الأمن..

لم يعد طنجة المتوسط مجرد بوابة للمغرب نحو التجارة العالمية، بل بدأ يظهر داخل مسارات تجارية تعكس التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة الطاقة في العالم، فبينما تتراجع صادرات روسيا من الديزل والغازوال تحت ضغط القيود واضطرابات المصافي، تتجه شحنات من المنتجات النفطية المكررة إلى السوق الروسية عبر الميناء المغربي، في توقيت  توجد فيه قضية الصحراء مجدداً في مجلس الأمن.. لا يثبت التزامن وجود صفقة سياسية، لكنه يكشف كيف يمكن للموقع اللوجستي أن يصبح جزءاً من حسابات دولية أوسع.

روسيا تبحث عن الوقود في الخارج

تكشف بيانات «إس أند بي غلوبال» حجم التحول، فقد استوردت روسيا، للأسبوع الثاني على التوالي، نحو 40 ألف طن من المنتجات النفطية المكررة غير المحددة من طنجة المتوسط، وفي الأسبوع المنتهي في 24 شتنبر، هبطت صادرات الديزل وزيت الغاز الروسية عبر البحر الأسود إلى الصفر، للمرة الأولى في السلسلة التي ترصدها الشركة، بينما تراجعت الصادرات الإجمالية إلى نحو 81 ألف طن، مقابل 448 ألف طن منذ بداية شتنبر و535 ألف طن في غشت و713 ألفا في يوليوز، ويرتبط ذلك بقيود التصدير واضطرابات عدد من المصافي بفعل الهجمات الأوكرانية بالطائرات المسيرة.

والمفارقة أن روسيا، التي تعد من كبار منتجي ومصدري المشتقات النفطية، أصبحت في هذه الظروف تستعين بالاستيراد لتأمين السوق الداخلية، وهو ما يفسر دخول طنجة المتوسط ضمن مسار إمداد جديد.

طنجة المتوسط.. من العبور إلى صناعة القيمة

لم يبدأ المسار الروسي بشحنة شتنبر؛ فقد غادرت الميناء في يوليوز ناقلة تحمل نحو “32 ألف طن من البنزين” نحو مورمانسك، بينما تشير بيانات تتبع السفن إلى تدفقات إضافية في الاتجاه نفسه.

اقتصاديا، يطرح ذلك سؤالا يتجاوز قيمة الشحنات نفسها: ماذا يستفيد المغرب من موقعه كمنصة لإعادة توزيع الطاقة؟ فطنجة المتوسط عالج سنة 2025 نحو “161 مليون طن من البضائع”، بينها 8.64 ملايين طن من البضائع السائلة، بزيادة 13%، فيما تجاوزت حركة الحاويات 11.1 مليون حاوية، كما بلغ حجم أعمال المنطقة الاقتصادية المرتبطة بالميناء “188 مليار درهم”.

تكشف هذه الأرقام أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عبور شحنة روسية من هنا أو هناك، بل في قدرة المغرب على تحويل موقعه الجغرافي إلى قيمة مضافة واستثمارات ووظائف ونشاط صناعي، بدل الاكتفاء بدور الوسيط اللوجستي.

عندما تقترب التجارة من مجلس الأمن

وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب نهاية ولاية المينورسو في “31 أكتوبر”، فالقرار 2797، الذي مدد الولاية إلى نهاية أكتوبر 2026، حظي بـ11 صوتا، مقابل ثلاثة امتناعات، بينها روسيا والصين وباكستان، من دون أي صوت معارض، كما دفع القرار بالمفاوضات حول الصحراء إلى إطار جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمسار التفاوضي.

هنا تظهر أهمية موسكو بالنسبة إلى الرباط: ليست فقط طرفا في علاقات اقتصادية وتجارية، وإنما عضو دائم في مجلس الأمن يملك حق النقض، لذلك تكتسب قنوات التواصل معها قيمة دبلوماسية، حتى عندما لا تتطابق مواقف البلدين بالكامل.

لا صفقة مثبتة.. لكن المصالح تتحرك

لا توجد معطيات تثبت أن شحنات الوقود مرتبطة بالموقف الروسي من الصحراء، ولا أن الامتناع عن التصويت على القرار الأممي كان ثمنا لتعاون تجاري، لكن المشهد يكشف قاعدة أكثر واقعية: “في السياسة الدولية، المصالح الاقتصادية لا تعيش دائما بعيدا عن الحسابات الجيوسياسية.”

وطنجة المتوسط يختبر اليوم قدرة المغرب على تحويل موقعه اللوجستي إلى نفوذ اقتصادي، فيما تظل موسكو قوة يصعب تجاهلها داخل مجلس الأمن، وبينما تبحث روسيا عن منافذ جديدة للوقود، يبحث المغرب عن تعظيم قيمة موقعه في التجارة العالمية؛ وبين المسارين، يصبح الميناء أكثر من نقطة عبور: “يصبح جزءا من لعبة مصالح أكبر من حاويات وشحنات.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى