اقتصادالرئسية

طنجة المتوسط.. نجاح يطرح أسئلة

طنجة المتوسط يدخل نادي الكبار

تحوّل ميناء طنجة المتوسط من مجرد رصيف ضخم تستقبل فيه السفن الحاويات وتغادرها، إلى أحد أبرز عناوين تحول المغرب إلى لاعب لوجستي في التجارة العالمية، لكن احتلاله المرتبة السادسة عالمياً في مؤشر أداء موانئ الحاويات CPPI 2025، الصادر عن البنك الدولي وS&P Global Market Intelligence، لا ينبغي أن ينتهي عند حدود الاحتفاء بالترتيب؛ لأن وراء الإنجاز سؤالاً أكثر إزعاجاً: إلى أي حد يتحول التفوق اللوجستي إلى ثروة وفرص شغل وقيمة مضافة داخل الاقتصاد المغربي؟

سادس العالم.. والرهان لم يعد على الحجم

وفق المؤشر، الذي شمل نحو 400 ميناء، سجل طنجة المتوسط 134 نقطة، مقابل 136 نقطة في النسخة السابقة، محافظاً رغم ذلك على موقعه بين أفضل موانئ العالم.. والرسالة واضحة: قوة الميناء لا تقاس فقط بعدد السفن والحاويات، وإنما بسرعة معالجتها وتقليص زمن توقفها، وهي عناصر أصبحت حاسمة في عالم تعيد فيه الأزمات الجيوسياسية رسم خريطة التجارة.

وتؤكد أرقام 2025 أن الصعود ليس مجرد نتيجة لتصنيف دولي، فقد عالج الميناء 11.1 مليون حاوية نمطية، بزيادة 8.4% عن 2024، فيما ارتفعت الحمولة الإجمالية إلى 161 مليون طن، بنمو 13.3%، كما استقبل 1,319 سفينة ضخمة يتجاوز طولها 290 متراً، بما يعكس قدرة البنية التحتية المغربية على استيعاب كبريات الخطوط البحرية العالمية.

من الحاوية إلى المصنع.. هنا تبدأ المعركة الحقيقية

غير أن قوة طنجة المتوسط لا توجد فوق الأرصفة فقط، فقد تحولت المنطقة المحيطة به إلى منظومة صناعية ولوجستية تستقطب أكثر من 1,500 شركة، وتمتد على أكثر من 3,000 هكتار، وتولد رقم معاملات يقارب 20.61 مليار دولار، فيما تشير معطيات مجموعة طنجة المتوسط إلى نحو 145 ألف منصب شغل.

لكن الأرقام لا ينبغي أن تكون نهاية النقاش، بل بدايته.. فالسؤال الاجتماعي والاقتصادي هو: كم من هذه الدينامية يتحول فعلاً إلى وظائف مستقرة وقيمة مضافة محلية؟ وكم منها يبقى مرتبطاً بالعبور وإعادة التصدير؟ فالمغرب يحتاج إلى تحويل موقعه اللوجستي إلى قاعدة أوسع للتصنيع، ونمو الشركات المحلية، وتحسين الأجور، وخلق وظائف أكثر تأهيلاً.

موقع استراتيجي يتحول إلى ورقة نفوذ

وتمنح الجغرافيا طنجة المتوسط ميزة يصعب تقليدها، فوجوده عند مضيق جبل طارق، بين الأطلسي والمتوسط وعلى أبواب أوروبا، يضع المغرب في قلب مسارات التجارة بين القارتين، ويمنحه فرصة للانتقال من بلد يستقبل الاستثمارات إلى بلد يملك أيضاً جزءاً من البنية التحتية التي تحتاجها تلك الاستثمارات.

وفي زمن الحروب واضطرابات الملاحة وارتفاع كلفة النقل، لم تعد الموانئ مجرد منشآت اقتصادية، بل أصبحت جزءاً من “الأمن الاقتصادي للدول”، ومن هنا تتجاوز أهمية طنجة المتوسط حركة الحاويات: فكلما ازدادت حاجة الشركات إلى مسارات سريعة وآمنة، ارتفعت قيمة الموقع المغربي وقدرته على جذب الاستثمارات وإعادة توجيه سلاسل التوريد.

لكن النجاح يرفع سقف الطموح أيضاً.. فالمطلوب لم يعد إثبات قدرة المغرب على بناء ميناء ينافس الكبار، بل “الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة الاقتصادية التي تمر عبره، عبر التصنيع والخدمات المتقدمة والشركات المحلية.

نجح طنجة المتوسط في أن يصبح سادس موانئ العالم أداءً، لكن الامتحان الأصعب يبدأ بعد الميناء: هل يستطيع الاقتصاد المغربي أن يصبح بمستوى الميناء الذي بناه؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى