الرئسيةسياسة

أكادير: «حزب الملغاة»..حضور بلا أصوات صحيحة

في أكادير، يبدو أن الانتخابات لم تُفرز فائزين فقط، بل أفرزت أيضا «مرشحاً» افتراضياً كاد ينافس بقوة على مقعد انتخابي المقعد الثاني للملغاة.

الأرقام وحدها تكفي لرسم المشهد، 15,167 صوتاً للمرتبة الأولى،13,174 صوتاً ملغى،11,258 صوتاً للمرتبة الثانية.

ولو كانت الأصوات الملغاة مرشحاً أو لائحة، لكانت قد دخلت المنافسة بقوة، وربما كانت تستعد الآن لجلسة التهنئة، وتبحث عن مكتب داخل المجلس!

«حزب الملغاة» يتجاوز الوصيف

المفارقة أن 13,174 صوتاً ملغى تجاوزت نتيجة المرتبة الثانية بـ1,916 صوتاً، ولم تفصلها عن المرتبة الأولى سوى 1,993 صوتاً.

أما الفارق بين المرتبتين الأولى والثانية فبلغ 3,909 أصوات.

وبذلك، فإن «حزب الملغاة» الافتراضي لم يكتفِ بحجز مكان في المشهد، بل تجاوز أحد المتنافسين الذين خاضوا السباق فعلياً.

ولو كانت هناك لائحة انتخابية تحمل اسم «الملغاة»، لاحتاجت فقط إلى شعار ووكيل لائحة حتى تدخل الحسابات الانتخابية… أما الحملة الانتخابية، فقد يبدو أنها لم تكن ضرورية!

مرشح بلا صور ولا وعود

المرشحون أنفقوا الوقت والجهد في الحملات، واللقاءات، والملصقات، والشعارات والوعود.

أما «حزب الملغاة» فلم يحتج إلى أي من ذلك ، لا صورة في الشوارع، ولا منصة انتخابية، ولا سيارة بمكبر صوت، ولا منشور يَعِد الناخبين بالمستقبل.

ومع ذلك، خرج من الصندوق بـ13,174 صوتاً.

وهي مفارقة ساخرة، لكنها تطرح سؤالاً سياسياً أكثر جدية: هل كان جزء من هذه الأوراق مجرد أخطاء في التصويت، أم أن بعضها حمل رسالة احتجاج متعمدة؟

«حضرتُ إلى الصندوق.. لكنني لم أختر أحداً»

لا يمكن بطبيعة الحال اعتبار جميع الأوراق الملغاة تصويتاً احتجاجياً، إذ قد تنتج عن أخطاء أو عدم احترام قواعد التصويت.

لكن إذا كان جزء معتبر منها قد أُلغي عمداً، فإن صاحب الورقة لم يختر المقاطعة، بل اختار شكلاً آخر من التعبير.

حضر إلى مكتب التصويت، شارك في العملية الانتخابية، ثم رفض منح صوته لأي من الخيارات الموجودة أمامه.

بعبارة أكثر مباشرة: «سأصوت.. لكن لا هذا ولا ذاك».

وهنا تتحول الورقة الملغاة من مجرد خانة في محضر إلى سؤال يستحق أن تسمعه الأحزاب والمرشحون.

هل كانت هناك «معارضة» داخل الصندوق؟

الأرقام لا تسمح وحدها بتحديد دوافع أصحاب 13,174 ورقة ملغاة، لكنها تسمح بطرح السؤال.

فحين يكون عدد الملغاة أكبر من أصوات المرتبة الثانية، وأقل بقليل من أصوات المرتبة الأولى، يصبح من الصعب التعامل مع الرقم باعتباره تفصيلاً ثانوياً.

قد يكون وراءه خليط من الأخطاء، والجهل بطريقة التصويت، والاحتجاج، وربما عدم الاقتناع بالعرض الانتخابي.

وهذا بالضبط ما يجعل الرقم جديراً بالتحليل، لا بالتجاهل.

«المقعد الثاني للملغاة».. سخرية تحمل رسالة

المقعد الثاني طبعاً لم يذهب إلى «حزب الملغاة»، لأن هذا الحزب موجود فقط في هذه القراءة الساخرة للأرقام.

لكن المفارقة أن 13,174 صوتاً صنعت حضوراً افتراضياً أقوى من حضور صاحب المرتبة الثانية من حيث العدد.

والانتخابات، في نهاية المطاف، ليست فقط أسماء فائزين ومقاعد موزعة؛ إنها أيضاً قراءة لما حدث داخل الصندوق وما لم يتحول إلى مقعد.

الفائزون سيحملون نتائجهم، والمرشحون سيعودون إلى حساباتهم، أما 13,174 ورقة ملغاة فستبقى رقماً يفرض نفسه على النقاش.

وربما يكون الدرس الأكثر طرافة في هذه الانتخابات أن «حزب الملغاة» خاض الانتخابات دون مرشح، ودون برنامج، ودون حملة… ومع ذلك كاد ينافس على المقعد الثاني.

وفي السياسة، ليست كل الرسائل مكتوبة بالحبر على ورقة تحمل اسم مرشح؛ أحياناً تكون الرسالة الأقوى هي الورقة التي اختار صاحبها أن يلغيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى