الرئسيةسياسة

البوحسيني: حين تصبح الانتخابات جزءا من الأزمة

ليست المشكلة اليوم في أن الناس فقدوا الرغبة في السياسة فقط، بل في أن السياسة نفسها فقدت جزءا كبيرا من قدرتها على تغيير الواقع، وحين تصبح القرارات الكبرى جاهزة قبل أن تفتح صناديق الاقتراع، وحين يجد المنتخب نفسه أمام أولويات لم يشارك في صياغتها، فإن السؤال لم يعد: من سيفوز في الانتخابات؟ بل: ماذا يستطيع الفائز أن يفعل فعلاً؟

من هنا تنطلق الفاعلة الحقوقية والأستاذة الجامعية لطيفة البوحسيني في مساءلة جدوى الرهان على المؤسسات القائمة، من دون أن تقدم بديلا جاهزا، أو تدعي امتلاك وصفة سحرية للخروج من الوضع.

السؤال الممنوع

تقول البوحسيني، بصراحة ومن دون مزايدة، إنها تجد نفسها أمام سؤال شديد القسوة: كيف يمكن التأثير في هذا «المستنقع السحيق والنتن والكريه» الذي وصلت إليه الأوضاع؟

والأصعب من السؤال نفسه هو ما يليه: هل ما زالت الانتخابات تملك معنى سياسياً حقيقياً؟

ليس المقصود هنا إنكار السياسة أو الدعوة إلى الانسحاب منها، وإنما مساءلة الوظيفة الفعلية للانتخابات حين تكون مساحات القرار الحقيقي أوسع بكثير من المؤسسات التي يفترض أن تنتج القرار أو تراقبه.

حين يصل القرار قبل الناخب

المفارقة التي تضعها البوحسيني في قلب النقاش أن هناك قرارات ضخمة تُحسم قبل الانتخابات، وميزانيات هائلة تُرصد لأولويات لم تكن موضوع نقاش عمومي حقيقي، وجهات تُكلف بمهام لم تنتخبها، بينما يأتي الفاعل السياسي بعد ذلك ليطلب من المواطن أن يثق في قدرته على التغيير.

هنا تحديداً يصبح السؤال محرجا

ما الذي يتبقى للسياسي من سلطة الفعل إذا كانت أجزاء أساسية من القرار قد حُسمت قبل وصوله؟

ولهذا، فإن الجواب التقليدي القائل بضرورة المشاركة حتى لا تُترك المقاعد لـ«الفراقشية» لم يعد، في نظرها، جواباً سياسياً كافياً.

ليست المسألة جديدة

قد يقول قائل إن هذا الوضع ليس جديداً، وإن الجميع يعرفه، وإن جانباً منه يجد تفسيره في طبيعة النظام السياسي وفي النصوص الدستورية.

لكن معرفة المشكلة لا تعني حلها.

بل إن استمرارها رغم معرفتها هو بالضبط ما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً.

فقد جُرّبت المؤسسات، وجُرّبت المشاركة، وجُرّبت صيغ متعددة من التوافق، ومع ذلك استمر الاستنزاف السياسي والمؤسساتي والحقوقي والاجتماعي والاقتصادي.

لذلك، فإن إعادة طرح السؤال ليست تشكيكاً في السياسة، وإنما محاولة لإنقاذها من التحول إلى مجرد طقس انتخابي يتكرر فيما تبقى القضايا الكبرى خارج دائرة التأثير الشعبي والمؤسساتي.

الرهان أكبر من صندوق الاقتراع

بالنسبة إلى البوحسيني، لا يكفي إصلاح بعض التفاصيل داخل المؤسسات، لأن أصل المشكلة يتصل بطبيعة العلاقة بين المؤسسات نفسها وبحدود صلاحياتها.

ومن هنا تطرح رهاناً أكبر: تعاقد سياسي جديد يحدد بوضوح اختصاصات المؤسسات، ويجعل فصل السلطات حقيقة لا مجرد مبدأ، ويربط المسؤولية بالمحاسبة، ويضع القضاء في موقع الاستقلال الكامل.

لكن هذا التعاقد لا يولد من النصوص وحدها.

إنه يحتاج إلى قوى سياسية واجتماعية حقيقية، وإلى إرادة، وتنظيم، ورؤية، ونفس طويل، واستعداد لتحمل الكلفة، وقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الصغيرة.

وهذه، تحديداً، هي الحلقة المفقودة.

الواقعية ليست استسلاما

هنا يظهر الخلاف بين من يختارون المشاركة باعتبارها الممكن الوحيد، ومن يرون أن المشاركة في مؤسسات عاجزة عن إنتاج التغيير تعني إعادة تدوير العجز نفسه.

لكن البوحسيني لا تمنح أياً من الطرفين حق احتكار الحقيقة.

فقد يختار شخص المشاركة لأنه يرى في ذلك هامشاً للفعل، وقد يختار آخر الابتعاد لأنه لا يرى في المؤسسات القائمة قدرة حقيقية على التغيير.

لا أحد يملك حق مصادرة قرار الآخر.

فالواقع أكثر تعقيداً من أن يختزل في شعار المشاركة أو المقاطعة.

لا أحد يملك العصا السحرية

المشكلة، في النهاية، أن الجميع يتحرك داخل الأزمة نفسها.

لا توجد وصفة مكتملة، ولا بديل جاهز، ولا طرف يمتلك الحقيقة كلها.

ومن يعتقد أن لديه الإجابة النهائية قد يكون جزءاً من المشكلة أكثر مما هو جزء من الحل.

فالواقعية لا تعني الاستسلام، كما أن الحلم لا يعني تجاهل الواقع.

السياسة، كما تقول البوحسيني، هي أيضاً فن الممكن. لكن الممكن نفسه يتغير عندما تتغير موازين القوى، وعندما تتوفر إرادة جماعية قادرة على تحويل المستحيل السياسي إلى هدف قابل للتحقق.

الإصلاح يبدأ من الاعتراف بالأزمة

تفرق البوحسيني بين من لا يزال يؤمن بالإصلاح رغم اعترافه بأن الوضع كارثي، وبين من اختار وضع نفسه خارج مشروع الإصلاح، ثم جعل من تبرير الواقع مهمته الأساسية.

فالاعتراف بأن الوضع سيئ ليس تشاؤماً.

والتشخيص القاسي ليس عداءً للوطن.

والإصرار على الإصلاح لا يعني تبرئة أحد من المسؤولية.

بل إن نقطة البداية لأي تغيير جدي هي القدرة على تسمية الأشياء بأسمائها.

السياسة لا تنتهي عند باب البرلمان

وإذا كانت المؤسسات مغلقة أو محدودة القدرة على إنتاج التغيير، فهذا لا يعني أن السياسة نفسها انتهت.

ففي لحظات تاريخية معينة، قد ينتقل الفعل السياسي إلى خارج القنوات التقليدية، وقد تأتي لحظة التأثير من المجتمع، أو من الحركات المدنية، أو من النقاش العمومي، أو من تحولات لم تكن محسوبة.

وقد تكفي أحياناً ثغرة صغيرة في جدار مغلق لفتح مسار جديد بالكامل.

لهذا لا ينبغي تحويل المؤسسة إلى قدر، ولا تحويل خارج المؤسسة إلى عقيدة.

المهم هو استعادة القدرة على الفعل.

المنظومة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد

تعتقد البوحسيني أن الوضع القائم ليس أبدياً، وأن منظومة المصالح والنفوذ والفساد تحمل داخلها تناقضات ستؤدي، مع الوقت، إلى استنزافها.

لكن انتظار انهيارها ليس استراتيجية سياسية.

فالفراغ لا ينتج بالضرورة الديمقراطية، وانهيار منظومة قد يفتح الطريق أمام منظومة أسوأ منها إذا لم يكن المجتمع مستعداً سياسياً وفكرياً وتنظيمياً لملء الفراغ.

وهنا تصبح المهمة الأساسية هي بناء القدرة على الفهم قبل بناء القدرة على التغيير.

الذكاء بدل المناكفة

ربما يكون أخطر ما يواجه الفعل السياسي اليوم هو إهدار طاقته في معارك جانبية: التخوين، والمزايدة، وتبادل الاتهامات، وتوزيع شهادات الوطنية، وإعطاء الدروس.

بينما المطلوب شيء آخر تماما: معرفة هذا النسق، تفكيك آليات اشتغاله، فهم تناقضاته، وتراكم الخبرة بدل تبديدها، فالتغيير الكبير لا تصنعه المناكفات الصغيرة،

لا مشاركة مقدسة ولا مقاطعة مقدسة

في النهاية، لا تدعو البوحسيني إلى إجابة جاهزة بقدر ما تدعو إلى الاعتراف بأننا أمام مأزق سياسي حقيقي.

ومن حق كل فاعل أن يختار موقعه، وأن يشارك أو يمتنع، وأن يبحث عن هامش للفعل داخل المؤسسات أو خارجها.

لكن لا يحق لأحد أن يحول اختياره الشخصي إلى حقيقة مطلقة.

فالبلد لا يحتاج اليوم إلى معركة جديدة بين من يشاركون ومن يقاطعون بقدر ما يحتاج إلى ذكاء جماعي يعيد بناء القدرة على الفعل السياسي.

قد يكون هذا الطريق طويلا، وقد يكون ثمنه باهظا، وقد لا نملك اليوم شروطه كاملة، لكن ذلك لا يعني أن علينا الاستسلام.

فالأزمة ليست قدراً، والانتخابات ليست عصاً سحرية، والمقاطعة ليست بديلاً جاهزاً، والمؤسسات ليست نهاية السياسة.

المعركة الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن السؤال: من معه الحق؟

ونبدأ في السؤال الأصعب:

كيف نستعيد القدرة على تغيير ما يبدو اليوم عصياً على التغيير؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى