
الحياني يضع عمدة الرباط أمام لغز سوق الجملة
كيف تظل منشأة عمومية بالرباط كلفت أكثر من 1.2 مليار درهم خارج الخدمة، رغم انتهاء أشغالها منذ أزيد من سنتين، بينما يُطرح في الوقت نفسه تفويت عقار إضافي مرتبط بالمشروع؟
هذه المفارقة أعادت سوق الجملة الجديد بالرباط إلى دائرة المساءلة، بعدما وجّه المستشار الجماعي عمر الحياني عن فيدرالية اليسار، سؤالاً إلى العمدة فتيحة المودني بشأن مصير مشروع كان يفترض أن يحدّث تجارة الخضر والفواكه بالعاصمة، فإذا به يفتح نقاشاً حول التأخر وكلفة الانتظار ومآل المال العام.
مشروع جاهز منذ سنوات.. والتشغيل لم يتحقق
أُنجز السوق الجديد على مساحة تقارب 25 هكتاراً بمحاذاة المنطقة الصناعية لليوسفية، بهدف تعويض السوق القائم بيعقوب المنصور وتوفير فضاء أكثر ملاءمة لتنظيم تجارة الجملة، وكان مقرراً أن يدخل مرحلة التشغيل مع نهاية سنة 2024، غير أن هذا الموعد مرّ دون افتتاح فعلي، وفق المعطيات المتاحة.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد تأخر إداري؛ فكلما طال الانتظار، تأجلت الاستفادة من البنية التحتية التي رُصدت لها اعتمادات كبيرة، وبقيت الغاية الاقتصادية والاجتماعية للمشروع معلقة، كما يظل السؤال قائماً بشأن الكلفة الفعلية لهذا التأخير، ومدى انعكاسه على المهنيين وسلاسل التوزيع، وهي معطيات تحتاج إلى توضيح رسمي بدل تركها في دائرة التخمين.
24 ألف متر مربع إضافية.. ما المبرر؟
تزداد المساءلة أهمية مع طرح تفويت عقار تبلغ مساحته نحو 24 ألف متر مربع لفائدة المركب التسويقي المرتبط بالمشروع، وهي مساحة تكتسي أهميتها من طبيعة الاستثمار وقيمة العقارات في العاصمة.
ولا يشكل هذا الإجراء، في حد ذاته، دليلاً على وجود اختلال؛ فقد تكون له مبررات تقنية أو لوجستيكية، لكن المنطق التدبيري يقتضي توضيح وظيفة العقار الإضافي، وما إذا كانت الحاجة إليه محددة منذ مرحلة التصميم أم ظهرت لاحقاً، وكيف جرى تقديرها، وما أثرها على الكلفة الإجمالية للمشروع، فحين يتأخر تشغيل منشأة بهذا الحجم، يصبح من المشروع مطالبة المجلس بتفسير العلاقة بين العقار الجديد والمرفق الذي لم يبدأ أداء وظيفته بعد.
اللوجستيك والطرق.. هل حُسمت أسباب التأخير؟
سبق أن طُرحت إشكالات مرتبطة بالتهيئة اللوجستيكية للمشروع، وبشبكة الطرق وحركة الشاحنات القادمة من سلا وتمارة، وما تفرضه من تحديات لتفادي الاختناق المروري، وإذا كانت هذه العناصر من بين العوامل التي أخرت التشغيل، فإن المطلوب اليوم ليس إعادة سردها، بل تحديد ما عولج منها، وما بقي عالقاً، والآجال اللازمة لاستكماله.
فالسوق لا يُقاس بإنجاز بناياته فقط، بل بقدرته على استقبال التجار والشاحنات وتنظيم تدفق السلع دون نقل الاختناق من موقع إلى آخر. وأي نقص في شروط التشغيل قد يفرغ الاستثمار من أهدافه، حتى لو اكتملت أشغاله على المستوى العمراني.
من السؤال إلى المحاسبة
تضع مساءلة الحياني مجلس الرباط أمام ضرورة تقديم أجوبة محددة: أين وصل المشروع فعلياً؟ ما العراقيل التي تمنع افتتاحه؟ لماذا يحتاج إلى العقار الإضافي، وما مبرراته التقنية والمالية؟ ومتى سيبدأ استغلاله وفق جدول زمني واضح؟
فالمال العام لا يستمد قيمته من حجم الاعتمادات المرصودة ولا من صور المنشآت المكتملة، بل من الخدمات التي تقدمها والعائد الذي تحققه للمواطنين والمهنيين، وبين سوق كلف أكثر من 1.2 مليار درهم وأبواب لم تُفتح بعد، لم يعد المطلوب وعداً جديداً، بل كشفاً واضحاً عن أسباب التأخير، وكلفته، والمسؤوليات المرتبطة به، وموعداً قابلاً للمحاسبة لانتقال المشروع من البناء إلى الخدمة.!




