الرئسيةحول العالمشواهد على التاريخ

لولا مناضل العمال في اختبار السلطة للمرة 3

في 27 أكتوبر 1945، وُلد لولا في ولاية برنامبوكو، إحدى المناطق الفقيرة في شمال شرقي البرازيل، لأسرة كبيرة عاشت على هامش الوفرة التي عرفتها البلاد.

تجربة مبكرة مع التفاوت الاجتماعي

كان الجوع حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية، فيما بدت المدرسة والوظيفة المستقرة والحياة الكريمة امتيازات بعيدة المنال.

لم تكن طفولته مجرد مرحلة صعبة في سيرة شخصية، بل تجربة مبكرة مع التفاوت الاجتماعي.

فقد نشأ في كنف والدته دونا ليندو، التي تحملت مسؤولية تربية أبنائها وسط غياب الأب وقسوته، ثم انتقلت بالعائلة إلى ساو باولو بحثا عن فرصة للعيش.

هناك، اصطدم الطفل بعالم لا يمنح أبناء الفقراء الكثير من الوقت للتعلم أو الحلم.

اشتغل في أعمال متفرقة، من مسح الأحذية إلى العمل في المصانع، قبل أن يتعلم الخراطة ويحصل على مهنة توفر له دخلا أكثر استقرارا.

لكن المصنع الذي فتح أمامه باب العمل ترك في جسده أثرا دائما؛ ففي حادث مهني فقد خنصر يده اليسرى.

وكانت تلك الإصابة، على قسوتها، جزءا من تجربة أوسع ستربطه بعالم العمال الذين يصنعون الثروة بأجسادهم، بينما لا يصلهم منها إلا نصيب محدود.

من هذه البيئة تشكل وعيه الأول، لم يكن لولا ابن النخب السياسية، ولم يأتِ إلى السياسة عبر الجامعة أو مؤسسات الدولة، بل من قلب الإنتاج الصناعي، حيث تتقاطع الأجور وظروف العمل والكرامة الإنسانية.

من المصنع إلى قيادة العمال

في أواخر الستينيات، بدأ لولا يقترب من العمل النقابي، قبل أن يتولى مسؤوليات قيادية في نقابة عمال المعادن بمنطقة ساو برناردو دو كامبو، أحد المراكز الصناعية المهمة في البرازيل.

سرعان ما تجاوزت النقابة في عهده حدود التفاوض حول الأجور.

ففي نهاية السبعينيات، قاد تحركات عمالية واسعة في مواجهة الحكم العسكري، الذي كان يسعى إلى ضبط المجتمع وإخضاع التنظيمات النقابية.

تحولت المطالب الاجتماعية إلى إضرابات كبرى، وخرج آلاف العمال إلى الشوارع والمصانع، في تحد لسلطة لم تكن تتسامح مع الاحتجاج.

واكتسب لولا مكانة وطنية بفضل قدرته على جمع العمال وتوحيد مطالبهم والتفاوض باسمهم.

لم يكن صعوده خاليا من الثمن، فقد تدخلت السلطات ضد النقابة، واعتُقل عام 1980، في وقت كانت فيه والدته تحتضر.

غير أن الاعتقال لم ينهِ مساره، بل ساهم في ترسيخ صورته باعتباره أحد الوجوه البارزة في الحركة العمالية المعارضة للديكتاتورية.

في العام نفسه، شارك في تأسيس حزب العمال، إلى جانب نقابيين ومثقفين وأكاديميين وناشطين يساريين. وكان المشروع يتجاوز الدفاع عن المصالح المهنية، نحو بناء قوة سياسية قادرة على تمثيل الفئات المستبعدة من القرار الوطني.

وهكذا، انتقل لولا من قيادة الإضرابات إلى محاولة تغيير موازين السلطة عبر صناديق الاقتراع.

ثلاث هزائم قبل دخول القصر

لم يكن الوصول إلى الرئاسة سريعا، خاض لولا الانتخابات الرئاسية لأول مرة عام 1989، وخسر أمام فرناندو كولور دي ميلو، ثم عاد إلى السباق في عامي 1994 و1998، ليخسر في المرتين أمام فرناندو هنريك كاردوزو.

كانت الهزائم تعكس حدود القاعدة الانتخابية لليسار في بلد تتداخل فيه قوة المال والإعلام والمصالح الاقتصادية مع المنافسة السياسية.

كما أظهرت أن الشعبية في أوساط العمال والفقراء لا تكفي وحدها لبناء أغلبية وطنية.

أمام هذا الواقع، بدأ لولا يعيد النظر في خطابه وطريقة تقديم مشروعه.

ففي انتخابات 2002، تبنى لغة أكثر اعتدالا، وحرص على طمأنة الطبقات الوسطى والأسواق المالية، وتعهد باحترام التزامات الدولة الاقتصادية.

لم يكن ذلك مجرد تغيير في الشعارات؛ بل عكس تحولا في استراتيجية حزب العمال، الذي انتقل من خطاب أكثر راديكالية إلى محاولة الجمع بين الانضباط الاقتصادي وتوسيع السياسات الاجتماعية.

هذه المرة نجح لولا. وفي يناير 2003، دخل قصر بلانالتو رئيسا للبرازيل، بعد رحلة طويلة من الإضرابات والهزائم والمفاوضات السياسية.

حين أصبحت مكافحة الجوع سياسة للدولة

كان الاختبار الحقيقي يبدأ مع توليه السلطة، فالبرازيل التي تسلمها كانت بلدا غنيا بالموارد، لكنه يعاني تفاوتا اجتماعيا عميقا، وتاريخا طويلا من تركز الثروة والأرض في أيدي فئات محدودة.

وضع لولا محاربة الجوع والفقر في صدارة أولوياته، وأطلقت حكومته مبادرات اجتماعية، كان أبرزها برنامج «بولسا فاميليا»، الذي جمع مساعدات نقدية للأسر الفقيرة، وربط الاستفادة منها بالتزامات تتعلق بتعليم الأطفال والرعاية الصحية.

لم تقتصر أهمية البرنامج على تحويل الأموال إلى الأسر المحتاجة؛ فقد ساهم أيضا في تنشيط الاستهلاك المحلي، إذ أنفقت العائلات مواردها على الغذاء والملابس والأدوية والحاجات اليومية.

وفي موازاة ذلك، رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور، ووسعت فرص العمل الرسمي والائتمان، واستثمرت في التعليم العالي، بما أتاح لشرائح اجتماعية ظلت طويلا خارج الجامعات فرصا أوسع للدراسة.

ساعدت الظروف الاقتصادية الدولية هذه السياسات، فقد أدى نمو الاقتصاد الصيني إلى زيادة الطلب على المواد الأولية البرازيلية، من الحديد وفول الصويا إلى النفط، وارتفعت أسعار السلع التي تعتمد عليها صادرات البلاد.

لكن تحسن الظروف الخارجية لم يكن وحده ما صنع الفارق؛ إذ اختارت الحكومة توجيه جانب من عوائد النمو إلى الأجور والبرامج الاجتماعية والتعليم.

وبين 2003 و2010، خرج ملايين البرازيليين من الفقر، واتسعت فرص التشغيل، وتحسنت قدرة شرائح واسعة على تلبية احتياجاتها. ولم تختفِ اللامساواة، كما لم تتحول البرازيل إلى دولة رفاه مكتملة، لكن حياة قطاعات اجتماعية عريضة شهدت تحولا ملموسا.

كانت معادلة لولا تقوم على توسيع حقوق الفقراء من داخل اقتصاد رأسمالي مندمج في الأسواق العالمية، لا على تفكيك النظام الاقتصادي القائم.

ولذلك أثارت تجربته إعجابا لدى قطاعات واسعة، وخيبة لدى أجزاء من اليسار التي رأت أن الإصلاحات لم تمس بما يكفي البنية العميقة للثروة والسلطة.

استقلال في الخارج وتسويات في الداخل

لم يقتصر طموح لولا على تغيير السياسات الاجتماعية، فقد سعى إلى تعزيز موقع البرازيل كقوة دولية مستقلة نسبيا، ووسع علاقاتها مع الصين والهند والدول الإفريقية، ودعم أدوارا متعددة الأطراف في مواجهة هيمنة القوى الكبرى.

وفي الشرق الأوسط، دافع عن قيام دولة فلسطينية، وأبدى استعدادا للحوار مع أطراف لا تحظى بقبول واشنطن، في محاولة لتأكيد أن السياسة الخارجية البرازيلية لا ينبغي أن تكون مجرد امتداد للمواقف الأميركية.

غير أن هذه الاستقلالية لم تعنِ القطيعة مع الغرب، مثلما لم تعنِ سياساته الاجتماعية مواجهة شاملة مع رأس المال.

فقد حافظ على علاقات اقتصادية مع الأسواق الدولية، واعتمد في الداخل على تحالفات سياسية واسعة ضمت قوى متباينة المصالح والتوجهات.

هنا ظهرت إحدى المفارقات الأساسية في تجربته: استطاع لولا تحسين أوضاع الفقراء من دون كسر التوازنات الاقتصادية والسياسية التي تنتج التفاوت.

ونجح في إدارة تناقضات الائتلاف الحاكم بفضل خبرته النقابية وقدرته على التفاوض، لكن هذه التناقضات لم تختفِ، بل ظلت كامنة تحت سطح الاستقرار.

من ذروة الشعبية إلى السجن

غادر لولا الرئاسة عام 2010 وهو يتمتع بشعبية مرتفعة، بعد ولايتين شهدتا تحولات اجتماعية واقتصادية مهمة. وخلفته ديلما روسيف، رفيقته في حزب العمال، التي وصلت إلى الرئاسة بدعمه.

لكن الظروف التي ساعدت تجربته بدأت تتغير، تباطأ النمو، وضعفت قوة الطفرة المرتبطة بالسلع، وتصاعدت الأزمات السياسية والاقتصادية.

وفي عام 2016، أُقيلت روسيف من الرئاسة في عملية عزل أثارت انقساما حادا في البلاد.

ثم جاءت قضايا الفساد التي هزت حزب العمال ومؤسسات الدولة، وأُدين لولا في قضية فساد، وسُجن عام 2018، بعدما أصبح اسمه في قلب واحدة من أكثر المواجهات القضائية والسياسية إثارة للجدل في تاريخ البرازيل الحديث.

كان سجنه حدثا مفصليا؛ إذ حُرم من خوض الانتخابات الرئاسية التي كان يُنظر إليه فيها باعتباره منافسا قويا، وانتهى السباق بفوز اليميني جايير بولسونارو.

لكن القضية لم تنتهِ عند القضبان، ففي عام 2021، ألغت المحكمة العليا البرازيلية الأحكام الصادرة بحق لولا لأسباب إجرائية تتعلق باختصاص المحكمة التي أدانته، كما قضت بعدم حياد القاضي سيرجيو مورو في إحدى القضايا، ومهد ذلك قانونيا لعودته إلى المنافسة السياسية.

عاد الرجل الذي بدا أن مسيرته انتهت إلى الساحة، مستندا إلى قاعدة شعبية لم تتلاش، وإلى استياء قطاعات من المجتمع من إدارة بولسونارو.

عودة محفوفة بالمخاطر

في انتخابات أكتوبر 2022، واجه لولا بولسونارو في سباق شديد التقارب، انتهى بفوزه بنحو 50.9 في المئة من الأصوات، مقابل 49.1 في المئة لمنافسه.

كانت العودة مختلفة عن انتصاره الأول قبل عقدين، فقد عاد في سن السابعة والسبعين إلى بلد منقسم سياسيا واجتماعيا، وفي مواجهة يمين شعبوي بات يمتلك قاعدة انتخابية واسعة، وبرلمان أكثر محافظة، وتيارات متشددة داخل مؤسسات الدولة.

ولم يتأخر اختبار الديمقراطية. ففي 8 يناير 2023، اقتحم أنصار بولسونارو الكونغرس والمحكمة العليا والقصر الرئاسي في برازيليا، مطالبين بتدخل الجيش لإسقاط الحكومة الجديدة.

واستهدفت أعمال التخريب مؤسسات تمثل قلب النظام الدستوري، في مشهد أعاد إلى الأذهان اقتحام مبنى الكونغرس الأميركي عام 2021.

وجد لولا نفسه أمام مهمة تختلف عن تلك التي واجهها في ولايتيه الأوليين: لم يعد المطلوب توسيع المكاسب الاجتماعية فحسب، بل حماية المؤسسات الديمقراطية من محاولات تقويضها.

وفي تطور لاحق، أُدين بولسونارو في قضية التآمر لتنفيذ انقلاب، وصدر بحقه حكم بالسجن، في واحدة من أخطر المحطات القضائية التي عرفتها البلاد بعد انتهاء الحكم العسكري.

أما لولا، فقد عاد إلى ملفاته القديمة والجديدة: محاربة الفقر، وحماية البيئة، والدفاع عن حقوق الشعوب الأصلية، والحد من تدمير غابات الأمازون، مع محاولة استعادة حضور البرازيل الدولي.

لكن هامش حركته ظل مقيدا ببرلمان منقسم، واستقطاب اجتماعي حاد، وتحديات اقتصادية لا يمكن حلها بمجرد استعادة السياسات التي طبّقها في بداية الألفية.

لولا اليوم.. رئيس يحكم وسط تناقضات البرازيل

اليوم، يواصل لولا دا سيلفا الحكم رئيسا للبرازيل، في ولايته الثالثة، التي بدأت عام 2023.

وما زالت تجربته تختبر قدرة اليسار على الجمع بين الإصلاح الاجتماعي وإدارة الاقتصاد، وبين توسيع العدالة وحماية الديمقراطية، في بلد لم يتجاوز بعد الانقسامات التي كشفتها عودة اليمين الشعبوي.

لم يعد الرجل الذي وصل إلى القصر عام 2003 يواجه الأسئلة نفسها.

آنذاك، كان التحدي الأكبر هو إدخال الفقراء إلى دائرة التنمية وتوسيع فرصهم في التعليم والعمل والاستهلاك.

أما اليوم، فيضاف إلى ذلك الدفاع عن المؤسسات، وإعادة بناء التوافق الاجتماعي، ومواجهة الأزمات البيئية، وإثبات أن العودة السياسية ليست مجرد استعادة للماضي.

قصة لولا ليست حكاية صعود بطولي خالص، ولا تجربة خالية من التناقضات.

إنها سيرة نقابي انتقل إلى السلطة، وحقق مكاسب اجتماعية ملموسة، وقَبِل تسويات اقتصادية وسياسية أثارت جدلا واسعا، ثم سقط وعاد في بلد تغيرت فيه موازين القوى.

ومن الطفل الذي عرف الجوع إلى العامل الذي فقد إصبعا في المصنع، ومن قائد الإضرابات إلى السجين، وصولا إلى رئيس يحكم البرازيل اليوم، ظل السؤال الذي يلاحق لولا أكبر من سيرته الشخصية: هل يستطيع بلد غني بالموارد، مثقل باللامساواة، أن يجعل الديمقراطية وسيلة لتوزيع الثروة والسلطة بصورة أكثر عدلا؟

ذلك هو الامتحان الذي لم تحسمه بعد مسيرة لولا دا سيلفا؛ الرجل الذي خرج من المصنع إلى القصر، لكنه لم يخرج قط من الصراع على معنى العدالة في البرازيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى