
من يحاسب الثروات العابرة للحدود في المغرب؟
تحرير: جيهان مشكور
بين مواطن يؤدي ضرائبه ويواجه غلاء المعيشة، وثروات يُشتبه في إخفاء جزء من مداخيلها وأصولها بالخارج، تبرز مفارقة تتجاوز الحسابات البنكية إلى جوهر العدالة الجبائية: هل يطبق القانون المالي بالصرامة نفسها على الجميع، أم تتحول الحدود وتعقيدات الملكية إلى امتياز لمن يملك وسائل المناورة؟
من 84 دولة إلى المستفيدين الفعليين
باشرت مصالح مكتب الصرف، بتنسيق مع المديرية العامة للضرائب، عمليات بحث وتدقيق بشأن حسابات بنكية وأرصدة مالية وممتلكات عقارية تعود لرجال أعمال ومستثمرين مغاربة بالخارج، على خلفية شبهات إخفاء إيرادات وأصول قدرت بمليارات الدراهم عن أجهزة الرقابة المالية والضريبية، وفق المعطيات الواردة بشأن الملف.
وامتدت عمليات التعقب إلى 84 دولة، مع مفاوضات لتوسيع التعاون ليشمل 14 دولة إضافية، بهدف مطابقة المعلومات المالية والعقارية الواردة من الخارج مع التصريحات المحلية، وينصب الاهتمام على وجهات ذات أنظمة ضريبية تفضيلية، وشركات وسيطة وهياكل قانونية قد تعقد تحديد المالك الحقيقي للأموال.
ولا يشكل امتلاك حساب أو عقار بالخارج مخالفة في حد ذاته؛ إنما يكمن جوهر التحقيق في التحقق من التصريح بالأصول والمداخيل، واحترام الالتزامات الضريبية وقواعد الصرف، وتحديد ما إذا كانت شركات أجنبية قد استُخدمت لإخفاء أرباح خاضعة للضريبة بالمغرب.
17 شركة.. هل تكشف التحويلات ما تخفيه التصريحات؟
هذا وتشمل التحريات لائحة أولية تضم 17 شركة، يجري فحص وضعيتها بمقارنة التصريحات الضريبية بالتحويلات البنكية والعمليات التجارية، كما تشمل الأبحاث شركات أجنبية ومكاتب محاماة قدمت خدمات تأسيس الشركات وإدارة الأصول، لتحديد المستفيدين الفعليين من حسابات واستثمارات موزعة بين كيانات قانونية متعددة.
وتكمن الصعوبة في تشابك المصالح بين شركات مغربية وأخرى أجنبية، بما قد يسمح بإعادة توجيه عائدات أنشطة تجارية وخدمية إلى الخارج، غير أن إثبات المخالفة يظل رهيناً بفحص طبيعة العمليات ومصدر الأموال والالتزامات القانونية المرتبطة بكل حالة.
وامتدت المراقبة أيضاً إلى مؤثرين وأصحاب منصات رقمية، للاشتباه في عدم التصريح ببعض إيرادات الإعلانات والشراكات التجارية وعقود الترويج الأجنبية، أو عدم تسوية وضعيتها وفق قواعد الصرف، وهكذا، لم يعد التحدي الضريبي محصوراً في الشركات التقليدية، بل بات يشمل اقتصاداً رقمياً تتجاوز إيراداته الحدود الوطنية.
العدالة الجبائية.. من يتحمل كلفة الاختلالات؟
توضح منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن تعزيز الشفافية وتبادل المعلومات الضريبية أتاح للحكومات تحديد ما لا يقل عن 135 مليار يورو من الإيرادات الإضافية عالمياً منذ 2009، تشمل الضرائب والفوائد والغرامات؛ منها نحو 48 مليار يورو حددتها البلدان النامية، ولا يمثل هذا الرقم تقديراً للأموال غير المصرح بها في المغرب، لكنه يبرز أهمية التعاون الدولي في كشف الإيرادات المخفية واستعادتها.
أما محلياً، فإن ثبوت إخفاء مداخيل خاضعة للضريبة يعني حرمان الخزينة من موارد مستحقة، في وقت تظل فيه تمويلات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية من أبرز رهانات الإنفاق العمومي، ولا يمكن الجزم بأن هذه القضية تسببت مباشرة في تقليص تلك الخدمات، لكن العدالة تقتضي ألا يتحمل الملتزمون وحدهم أعباء تمويل الدولة، بينما يستفيد آخرون من ثغرات محتملة في الرقابة.
الاختبار الحقيقي لن يكون في عدد الدول التي تصل إليها التحقيقات، بل في نتائجها: ما المخالفات التي ستثبت؟ وما المبالغ التي ستُسترجع؟ وهل ستطبق الإجراءات دون انتقائية؟ فالمحاسبة لا تكتمل بتعقب الأموال، بل بإثبات أن القدرة المالية والنفوذ لا يمنحان حصانة من القانون.





