الرئسيةسياسة

غلاء المعيشة يهزم “الدولة الاجتماعية”

تقرير رسمي ينسف خطاب التفاؤل ويكشف مغرباً يزداد فقراً وتشاؤماً

بعيداً عن لغة الإنجازات والوعود التي تطغى على الخطاب الرسمي، جاءت نتائج “البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر” الصادر عن “المندوبية السامية للتخطيط“، لتقدم صورة مغايرة تماماً عن الواقع المعيشي للمغاربة.. فالأرقام لا تتحدث عن تحسن في مستوى العيش، بل عن اتساع دائرة التشاؤم، وتراجع الثقة، واستمرار الضغط على القدرة الشرائية، بما يحول التقرير إلى مرآة تعكس حجم الهوة بين الخطاب الرسمي وإدراك الأسر المغربية لواقعها اليومي.

فقد انخفض مؤشر ثقة الأسر إلى “60,1 نقطة” خلال الفصل الثاني من سنة 2026، مقابل “64,4 نقطة” في الفصل السابق، في مؤشر يعكس اتساع الهوة بين الخطاب السياسي والواقع الاقتصادي الذي تعيشه ملايين الأسر.

78,3 في المائة من الأسر تقول إن معيشتها تدهورت… فمن يصدق المواطن؟

المعطى الأكثر دلالة في التقرير أن “78,3% من الأسر المغربية” تؤكد أن مستوى معيشتها تراجع خلال الاثني عشر شهراً الماضية، بينما لا تتجاوز نسبة من تحدثوا عن تحسن أوضاعهم “5,2%”فقط، كما تتوقع “51%” استمرار هذا التدهور خلال السنة المقبلة، بينما لا تتجاوز نسبة المتفائلين 9,3 في المائة.

هذا الارقام لا تمثل مجرد مؤشر اقتصادي، بل تعد استفتاءً اجتماعياً واسعاً حول أثر السياسات العمومية في الحياة اليومية للمواطنين.. فإذا كانت الحكومة تؤكد أن ورش “الدولة الاجتماعية” يسير في الاتجاه الصحيح، فإن غالبية الأسر، وفق المعطيات الرسمية نفسها، تقول إنها أصبحت تعيش بشكل أسوأ مما كانت عليه قبل عام.

الدعم الاجتماعي… لماذا لم ينعكس على جيوب الأسر؟

هذا و قد خصصت الدولة اعتمادات مالية ضخمة لتعميم الحماية الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، علاوة على إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع التغطية الصحية الإجبارية، وكانت هذه المشاريع تقدم باعتبارها حجر الزاوية في بناء “الدولة الاجتماعية”.

غير أن نتائج البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر تثير تساؤلات مشروعة حول الأثر الفعلي لهذه البرامج على معيش المواطنين.. فالتقرير يكشف أن “38,7% من الأسر” اضطرت إلى استنزاف مدخراتها أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية نفقاتها، بينما لم تتمكن سوى “2,6%” فقط من ادخار جزء من دخلها، في حين ظل رصيد مؤشر القدرة على الادخار عند ناقص “80,9 نقطة”، وهو من أكثر المؤشرات تشاؤماً.

هذه الأرقام لا تنفي أهمية برامج الدعم، لكنها تعكس أن أثرها، وفق ما يشعر به جزء كبير من الأسر، لم يكن كافياً لتعويض الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة، ولا لاستعادة القدرة الشرائية التي استنزفها التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

غلاء يلتهم الدخل… وبطالة تغذي الخوف من الغد

ولم يتوقف التشاؤم عند الوضع الحالي، بل امتد إلى المستقبل. ف “57,2%”ترى أن البطالة مرشحة للارتفاع، فيما اعتبرت “65,3%” أن الظرفية الحالية غير مناسبة لاقتناء السلع المستديمة، بينما بلغ رصيد آراء الأسر بشأن تطور أسعار المواد الغذائية خلال السنة الماضية “ناقص 97 نقطة”، وهو من أسوأ المستويات التي سجلها هذا المؤشر، ورغم تراجع معدل التضخم مقارنة بذروته في 2023، فإن الأسر تؤكد أن الأسعار التي تواجهها في الأسواق ما تزال تستنزف مداخيلها، وهو ما يعكس الفارق بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع الذي يعيشه المستهلك.

اختبار سياسي لا اقتصادي فقط

سياسياً، يصعب تجاهل دلالات هذا التقرير. فنجاح أي نموذج اجتماعي لا يقاس بحجم الميزانيات المعلنة ولا بعدد البرامج التي يتم إطلاقها، وإنما بمدى شعور المواطنين بتحسن أوضاعهم، وعندما تعلن أغلبية ساحقة من الأسر، في بحث رسمي للمندوبية السامية للتخطيط، أن مستوى معيشتها تراجع، وأنها عاجزة عن الادخار، وتخشى البطالة والغلاء، فإن ذلك يفرض مراجعة جدية لفعالية السياسات الاقتصادية والاجتماعية ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها.

لقد وضعت نتائج “البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر” مرآة صادقة أمام صناع القرار؛ مرآة تعكس أن المواطن لا يقيس نجاح “الدولة الاجتماعية” بالشعارات أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بما يحمله معه من السوق، وما يتبقى من راتبه في نهاية الشهر، وبقدرته على العيش بكرامة دون استنزاف مدخراته أو اللجوء إلى الديون. وبين لغة الأرقام الرسمية ولغة الخطاب السياسي، تبدو الفجوة، اليوم، أكبر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى