
ترحال بلا بوصلة
بدأ أحمد التويزي معلماً، ودخل السياسة سنة 1974 من بوابة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمراكش، حين كان اليسار يدفع ثمن مواجهته للسلطة، لكن «الواقعية الانتخابية» أذابت تلك الراديكالية سريعا، فعبر إلى الاتحاد الدستوري الذي أسسته وزارة الداخلية سنة 1983، ثم إلى الحركة الشعبية، قبل أن يرسو في الأصالة والمعاصرة.
وُلد سنة 2008 في محيط السلطة، وبرّر ذلك في حوار سنة 2014 برغبة جيله في المشاركة الانتخابية وبخلافات شخصية، مؤكداً أنه لم يتخلَّ عن قناعاته الأولى. وهي قناعات يبدو أنها تنتقل بين الأحزاب بخفة الحقائب.
انتخاب محسوم قبل أن تُفتح الصناديق
نال التويزي 220 صوتاً مقابل 59 لإدريس الأزمي الإدريسي، خلفاً لراشيد الطالبي العلمي، في مشهد لا يحتمل مفاجأة، فالانتخابات التشريعية تصدّرها حزبه، ورئاسة الحكومة آلت إلى فاطمة الزهراء المنصوري من الحزب نفسه، والأغلبية تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، وهكذا صعد «تيار مراكش» بقيادة المنصوري وأحمد اخشيشن إلى قمة المؤسستين معاً، وصار حزب واحد يقود الحكومة ويرأس الغرفة المفترض أنها تراقبها.
آيت ورير.. عقود من الرئاسة بلا مدينة
يقدّم التويزي نفسه خبيراً بالتدبير المحلي، لكن آيت ورير التي ترأس مجلسها عقوداً لا تشهد له.. فقد شبّهها الحقوقي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، بـ«دوار» يفتقر لمقومات المدينة، وبلغ الأمر القضاء بشكاية استندت إلى ملاحظات المجلس الأعلى للحسابات حول الصفقات والتعمير والمداخيل الجماعية، وللإنصاف، قضت غرفة الجنايات بمراكش في ماي 2024 ببراءته وبراءة باقي المتابعين.. لكن البراءة الجنائية لا تغسل المسؤولية السياسية عن حصيلة لم تُنتج مدينة تليق بطول الولاية، ثم إن الغلوسي اتهمه في نونبر 2025 مع أنصاره باقتحام منصة ندوة عن الفساد والتنمية وتعطيلها، وهي واقعة تفضح ضيقاً بالنقد لا يليق بمن سيدير بيت التشريع.
«طحن الورق».. التصريح الذي ابتلعه صاحبه
لم تتوقف المتاهة عند سوء التدبير المحلي، بل تجسدت في فضيحة البرلمان خلال مناقشة قانون مالية 2026، حين صرّح بوجود «طحن الورق» داخل منظومة دعم الدقيق، ففُهم كلامه اتهاماً للمطاحن بخلط الورق بالدقيق، وأمام غضب المهنيين وتهرباً من تبعات التصريح، تراجع مدعياً استخدام مجاز عن “التلاعب بالفواتير”، للاستفادة من الدعم دون إنجاز العمليات المصرح بها، رغم وضوح تصريحه الأول.
لكن التبرير لم يمنع فتح الوكيل العام للملك بالرباط في 30 أكتوبر 2025 بحثاً أوكله للفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ولم تُعلن نتائجه حتى يوم انتخابه. فإما أن الاتهام جدي فيستحق الكشف، أو كلام مرسل فيستحق المحاسبة، وفي الحالتين لا يصل صاحبه إلى الرئاسة وصفحته بيضاء.
مفارقة تختزل نصف قرن
الأسئلة هنا تتجاوز الرجل إلى معايير اختيار النخب: هل هي الكفاءة والنزاهة والحصيلة، أم الولاء والشبكات الانتخابية؟ فمن بدأ معارضا في السبعينيات يرأس اليوم مؤسسة يُفترض أن تحاسب الحكومة، بينما يقود حزبه تلك الحكومة..
وحين يصبح الرقيب والمراقَب من بيت واحد، يتحول البرلمان من سلطة مساءلة إلى قاعة تصفيق، وتلك أبلغ خلاصة لما آلت إليه الحياة الحزبية المغربية.





