
أفرز الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة، اليوم الجمعة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، فريقا تنفيذيا لا يعكس عددا من التوقعات التي سبقت تشكيله، سواء المتعلقة بتقليص عدد الوزراء أو توسيع قاعدة التمثيلية النسائية أو ضخ دماء جديدة في الجهاز الحكومي.
فالحكومة تضم، إلى جانب رئيسة الحكومة، 31 وزيرا، من بينهم ست نساء، فيما يتجاوز عدد الوزراء الذين سبق لهم تحمل مسؤوليات حكومية نصف أعضاء الفريق الجديد.
ولا تقتصر دلالات هذه التشكيلة على الأرقام والأسماء، بل تمتد إلى طبيعة التوازن بين التغيير والاستمرارية، خصوصا مع احتفاظ عدد من الوزراء بحقائبهم، واستمرار ما درجت التسمية السياسية والإعلامية على وصفه بـ«وزراء السيادة»، وفي مقدمتهم وزير الداخلية ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزير الشؤون الخارجية.
تمثيلية نسائية دون سقف 20 في المائة
رغم أن تولي امرأة رئاسة الحكومة شكل مناسبة لانتعاش التوقعات بشأن تعزيز حضور النساء في مواقع القرار التنفيذي، فإن التشكيلة المعلنة لم تترجم هذه الرمزية إلى زيادة في التمثيلية النسائية.
فقد اقتصرت على ست وزيرات ضمن حكومة تضم 32 عضوا، باحتساب رئيسة الحكومة، أي بنسبة تقارب 18.75 في المائة.
وتبدو المقارنة مع حكومة عزيز أخنوش السابقة دالة في هذا السياق، إذ ضمت سبع وزيرات ضمن فريق يتكون من 31 عضوا، باحتساب رئيس الحكومة، أي بنسبة تقارب 22.6 في المائة. وبذلك، جاءت نسبة النساء في حكومة تقودها امرأة أقل من النسبة المسجلة في الحكومة السابقة.
وتعيد هذه المفارقة طرح مسألة تمثيلية النساء في تدبير الشأن العام، ومدى قدرة التغيير على مستوى قيادة الحكومة على إحداث تحول أوسع في توزيع المسؤوليات.
فالوصول إلى رئاسة الحكومة، على أهميته الرمزية والسياسية، لا يعني بالضرورة أن تتسع مشاركة النساء في مختلف مستويات القرار التنفيذي.
حكومة موسعة خلافا لتوقعات التقليص
على مستوى عدد الأعضاء، لم تستجب التشكيلة الجديدة للتوقعات التي تحدثت عن حكومة مصغرة وأكثر تركيزا في توزيع الحقائب.
فبدلا من تقليص العدد، ارتفع عدد الوزراء من 30 في حكومة أخنوش إلى 31 في حكومة المنصوري، دون احتساب رئيس الحكومة أو رئيسة الحكومة.
وكان عبد اللطيف وهبي قد تحدث، الخميس، عن توجه نحو تقليص حجم الحكومة، غير أن التشكيلة النهائية أظهرت اتجاها مغايرا.
وهو ما يفتح النقاش حول مبررات الإبقاء على فريق حكومي بهذا الحجم، ومدى ارتباط تعدد الحقائب بضرورة تدبير قطاعات متشعبة، أو بإكراهات توزيع المسؤوليات داخل الأغلبية الحكومية.
ولا يتوقف تقييم الحكومة عند عدد أعضائها، بل يرتبط أيضا بمدى وضوح الاختصاصات، وتجنب تداخل الصلاحيات، وفعالية التنسيق بين القطاعات.
أكثر من نصف الوزراء من أصحاب التجربة السابقة
تتميز حكومة المنصوري باستمرار حضور أسماء سبق لها الاشتغال داخل الجهاز التنفيذي. فمن أصل 31 وزيرا، هناك 16 وزيرا سبق لهم تحمل مسؤوليات حكومية، أي ما يعادل 51.61 في المائة.
وتضم هذه الفئة 14 وزيرا من حكومة عزيز أخنوش، إلى جانب نبيل بنعبد الله وشرفات أفيلال، اللذين سبق لهما تحمل مسؤوليات حكومية في مراحل سابقة.
ويعكس هذا المعطى توجها نحو الاستفادة من الخبرة المتراكمة، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال التجديد في النخب الحكومية وأساليب التدبير.
فالاستمرارية قد توفر معرفة بالملفات والإدارات، غير أن قيمتها العملية تظل مرتبطة بمدى القدرة على تصحيح الاختلالات وتغيير السياسات التي لم تحقق النتائج المنتظرة.
ومن ثم، لن يكون الاختبار الأساسي هو عدد الوجوه الجديدة أو القديمة، بل قدرة الفريق الحكومي على الانتقال من تدبير الملفات وفق المقاربات السابقة إلى تحقيق نتائج ملموسة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العمومية.
استمرار «وزراء السيادة» في مواقعهم
ومن أبرز مؤشرات الاستمرارية في التشكيلة الجديدة الاحتفاظ بوزراء يتولون قطاعات توصف تقليديا في الخطاب السياسي والإعلامي المغربي بأنها من «وزارات السيادة»، وفي مقدمتهم عبد الوافي لفتيت على رأس وزارة الداخلية، وأحمد التوفيق في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وناصر بوريطة على رأس وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.
ويكتسب استمرار هؤلاء الوزراء دلالة تتجاوز مجرد الاحتفاظ بحقائب وزارية، بالنظر إلى طبيعة الملفات التي يشرفون عليها وارتباطها بإدارة الشأن الترابي والأمني، وتدبير الحقل الديني، والعلاقات الخارجية للمملكة.
ويكشف هذا الاستمرار عن حضور واضح لمنطق الاستقرار المؤسساتي في قطاعات استراتيجية، في مقابل التغيير الذي طال موقع رئاسة الحكومة.
كما يعيد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة توزيع المسؤوليات داخل الجهاز التنفيذي، وحدود المبادرة الحكومية في القطاعات ذات الحساسية السياسية والمؤسساتية الخاصة.
استمرارية في الحقائب الأساسية وتغيير في قمة الحكومة
إلى جانب وزراء الداخلية والخارجية والأوقاف، احتفظ عدد من أعضاء الحكومة السابقة بمناصبهم، من بينهم عبد اللطيف وهبي، وفوزي لقجع، ونزار بركة، ورياض مزور، والمهدي بنسعيد، وعز الدين ميداوي، وعبد الصمد قيوح، وعمر حجيرة، وعبد الجبار الرشيدي، وعبد اللطيف لوديي.
أما فاطمة الزهراء المنصوري، التي سبق أن تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فقد انتقلت إلى رئاسة الحكومة، لتصبح مسؤولة عن تنسيق عمل الفريق التنفيذي والإشراف على تنفيذ برنامجه.
وتجمع هذه التركيبة، بذلك، بين تغيير في قمة الجهاز الحكومي واستمرار ملموس في مستوى الأسماء والقطاعات، وهي معادلة تجعل الرهان على المرحلة المقبلة مرتبطا بقدرة رئيسة الحكومة على قيادة فريق يجمع بين خبرات متراكمة وانتظارات جديدة، وتحويل البرنامج الحكومي إلى التزامات قابلة للتقييم والمحاسبة.
الاختبار في النتائج لا في الأسماء
في المحصلة، تثير حكومة المنصوري ثلاثة أسئلة مركزية: لماذا لم يتحقق تقليص عدد الوزراء رغم التوقعات السابقة؟ ولماذا تراجعت نسبة التمثيلية النسائية رغم وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة؟ وإلى أي حد ستسمح استمرارية الوزراء والحقائب الأساسية بتحقيق الاستقرار دون أن تتحول إلى استمرار في أساليب التدبير نفسها؟
لن تحسم الإجابة عن هذه الأسئلة بمجرد الإعلان عن التشكيلة الحكومية، بل ستتضح مع تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، وتحديد الأولويات، وطريقة تدبير الملفات الاقتصادية والاجتماعية، ومستوى التفاعل مع مطالب المواطنين.





