الرئسيةسياسة

الأحزاب والسياسة الخارجية..أين يبدأ الاختلاف؟

تحرير: أحمد مقبول

لا تحتل السياسة الخارجية المساحة نفسها في البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية المتنافسة في انتخابات 23 شتنبر 2026، لكنها تكشف تفاوتا واضحا في تصور موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي، وفي مفهوم السيادة، وطبيعة الشراكات، والعلاقة مع القوى الدولية، فضلا عن القضية الفلسطينية والعلاقات مع إسرائيل.

وباستثناء بعض الفوارق في الأدوات والأولويات، تلتقي أغلب الأحزاب في الخطوط الكبرى، خصوصا في الدفاع عن الوحدة الترابية ومبادرة الحكم الذاتي. لكن الاختلاف يصبح أكثر وضوحاً عندما يتعلق الأمر بفلسطين، والتطبيع، والعلاقة مع الجزائر، وشروط بناء سياسة خارجية أكثر استقلالا.

تحالف اليسار.. المقاربة الأكثر اختلافا

يقدم تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، التصور الأكثر اختلافا في هذا المجال.

فهو لا يكتفي بالدفاع عن الوحدة الترابية، بل يربط تثبيت السيادة الوطنية بانفراج سياسي داخلي وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، ويطرح الانتقال إلى مقاربة تشاركية في تدبير قضية الصحراء والجهوية الديمقراطية.

وعلى المستوى الخارجي، يدعو التحالف إلى تنويع الشراكات الاستراتيجية ورفض التبعية، ويطرح دبلوماسية مستقلة قائمة على عدم الانحياز، كما يتبنى موقفا صريحا مناهضاً للتطبيع وداعما للقضية الفلسطينية.

وفي العلاقة مع الجزائر، يدعو إلى فتح قنوات حوار جدي ومسؤول وتجاوز إرث الخلافات بما يسمح بإعادة بناء الفضاء المغاربي.

وبذلك لا يقدم التحالف مجرد مواقف مختلفة في بعض الملفات، بل يربط السياسة الخارجية بتغيير أوسع في تصور الدولة والقرار السياسي والسيادة، بما في ذلك مطلب الملكية البرلمانية والسيادة الشعبية.

التقدم والاشتراكية.. اختلاف في زاوية النظر

يأتي حزب التقدم والاشتراكية في موقع مختلف بدوره، وإن كان أقل جذرية في إعادة تعريف بنية القرار السياسي. فهو يطرح مفهوم السيادة بمعناها الواسع: الاقتصادية والمالية والصناعية والطاقية والتكنولوجية والرقمية والغذائية والصحية والثقافية، ويريد للمغرب أن يعزز موقعه باعتباره فاعلا إقليميا ذا سيادة، ملتزما بالقانون الدولي وتعددية الأطراف وبناء نظام دولي أكثر عدلا.

وفي قضية الصحراء، يدعم الحزب مشروع الحكم الذاتي ويربطه بمرحلة جديدة من الإصلاحات الديمقراطية والمؤسساتية والاقتصادية والاجتماعية في الأقاليم الجنوبية.

أما في القضية الفلسطينية، فيؤكد دعمه للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وإدانته لإسرائيل.

وهكذا يختلف التقدم والاشتراكية أساساً في توسيع مفهوم السيادة وربط السياسة الخارجية بالاستقلال الاقتصادي والديمقراطية والقانون الدولي، من دون أن يذهب في إعادة صياغة بنية القرار السياسي إلى المدى الذي يطرحه تحالف اليسار.

باقي الأحزاب.. اختلاف في الأدوات أكثر من الثوابت

أما حزب الاستقلال، فيركز على الوحدة الترابية وتنويع الشراكات وتعزيز الحضور المغربي في محيطه الدولي.

ويضع الأصالة والمعاصرة السياسة الخارجية ضمن رؤية أوسع للتحولات الجيوسياسية والأمن الاستراتيجي، بما يشمل الطاقة والماء والغذاء والتكنولوجيا.

أما الاتحاد الاشتراكي، فيولي أهمية للدبلوماسية الاقتصادية والحضور البرلماني والحزبي وتعزيز موقع المغرب في محيطه الدولي.

في حين يركز التجمع الوطني للأحرار بدرجة أكبر على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية الداخلية، ولا تحتل السياسة الخارجية في برنامجه الواجهة نفسها التي تحتلها في برامج بعض الأحزاب الأخرى.

أما العدالة والتنمية، فيمنح القضية الفلسطينية ورفض التطبيع حضورا أوضح في خطابه، إلى جانب التأكيد على العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي، وإن كان يعيش مفرقة الازدواجية التي تتابعه بتوقيع رئيسه السابق سعد الدين العثماني عن اتفاقية الت

أين تكمن الخلاصة؟

تكشف المقارنة إذن عن ثلاث دوائر:

الأولى، وهي مجال التوافق الواسع، وتتعلق بالوحدة الترابية والدفاع عن المصالح الوطنية.

الثانية، وهي مجال الاختلاف، وتتعلق بفلسطين والتطبيع والعلاقة مع إسرائيل والعلاقات مع الجزائر وطبيعة الشراكات الدولية.

والثالثة، وهي الأعمق سياسيا، وتتعلق بالسؤال عن شكل القرار الخارجي ومن يشارك في صياغته ومراقبته.

وهنا تحديداً يبرز الفرق بين تحالف اليسار والتقدم والاشتراكية من جهة، وباقي الأحزاب من جهة أخرى. فالأول يطرح إعادة تعريف أوسع للسيادة والعلاقات الدولية وربطها بتغيير سياسي ودستوري، بينما يربط الثاني السياسة الخارجية بمفهوم واسع للسيادة والاستقلال الاقتصادي والقانون الدولي وتعددية الأطراف.

أما أغلب الأحزاب الأخرى فتتحرك بدرجات مختلفة داخل الخطوط الكبرى للسياسة الخارجية القائمة.

لكن تظل المفارقة الأساسية قائمة: الانتخابات تتنافس حول برامج في السياسة الخارجية، بينما لا تملك الحكومة وحدها كل مفاتيح القرار فيها.

ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه برامج 2026 ليس فقط: ماذا تريد الأحزاب أن يكون عليه موقع المغرب في العالم؟ بل أيضاً: ما حدود قدرتها، إذا وصلت إلى الحكومة، على تحويل هذه التصورات إلى قرارات فعلية؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى