الرئسيةرأي/ كرونيك

إعفاء الوزيرة.. هل يُعفى من اختارها؟

بقلم: أحمد دابا

إعفاء وزيرة في أقل من 48 ساعة، ثم استقالتها من البرلمان بطلب من قيادة حزبها، لا يطوي الأزمة، بل يفتح سؤال المسؤولية على مصراعيه: من اقترح؟ من دقق؟ من قرر؟ ومن يتحمل تبعات الاختيار؟ الأخطر أن تتحول الاستقالة إلى مخرج لإنقاذ القيادة الحزبية والحكومة، وتصبح الوزيرة وحدها كبش فداء لأزمة تستوجب مساءلة جميع المتدخلين.

ليست قضية مديحة خيير مجرد واقعة عابرة في بداية حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بل اختبار حقيقي لمدى احترام مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وقدرة المؤسسات على معالجة أسباب الأزمات بدل الاكتفاء بالتخلص من الأشخاص الذين أصبحوا مصدر إحراج سياسي.

أقل من 48 ساعة.. أين كانت المعايير؟

وصلت خيير إلى مجلس النواب باسم حزب الاستقلال، بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، وفازت بمقعد عن دائرة بني ملال، قبل أن تنتقل إلى الحكومة وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل. وبعد أقل من 48 ساعة على تعيينها، أُعفيت من مهامها وسط جدل ارتبط بمعطيات حول ملف قضائي سابق ووثيقة طبية منسوبة إليها.

لا يجوز تحويل هذه المعطيات إلى أحكام نهائية، أو تجاوز قرينة البراءة والاختصاص القضائي. لكن احترام الحقوق لا يمنع مساءلة الجهات التي اختارتها سياسيا.

فالتعيين الوزاري ليس توزيعا لحصص حزبية، بل إسناد لمسؤولية عمومية يفترض أن تسبقه عملية تدقيق وتقييم.

وإذا كانت المعطيات المثيرة للجدل مؤثرة في الاختيار، فمن حق الرأي العام أن يسأل: هل كانت متاحة قبل التعيين؟ وما إجراءات التحقق التي أُنجزت؟ ولماذا لم تمنع هذه العملية أزمة ظهرت بعد أقل من يومين؟

إن سرعة الإعفاء لا تثبت وحدها غياب التدقيق، لكنها تفرض مساءلة جدية بشأن كفايته.

نزار بركة ليس خارج دائرة السؤال

إذا كانت قيادة حزب الاستقلال قد اقترحت خيير للاستوزار، فإن أمينه العام نزار بركة مطالب بتوضيح معايير الاختيار ومسار الترشيح.

لا نملك دليلا يسمح بالجزم بأنه كان يعلم مسبقا بكل ما أثير، لكن عدم ثبوت العلم لا يلغي المسؤولية السياسية عن جودة الاختيارات الحزبية.

لا يمكن لحزب أن يطالب بالحقائب الوزارية باعتبارها استحقاقا تنظيميا، ثم يتنصل من تبعات ترشيحاته عندما تقع الأزمة.

وإذا كانت القيادة قد طلبت من خيير الاستقالة من البرلمان لإنهاء تداعيات القضية، فإن عليها أيضا أن تشرح لماذا لم تُحسم معايير الاختيار قبل وصولها إلى الحكومة.

المحاسبة لا تعني إدانة نزار بركة أو غيره مسبقا، بل تعني ألا يُعفى أي طرف من المساءلة لمجرد موقعه داخل موازين القوة.

حكومة المنصوري.. بداية متعثرة

تبدأ حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ولايتها بأزمة تضع طريقة اختيار الوزراء أمام اختبار صعب. فتولي امرأة رئاسة الحكومة يحمل دلالة سياسية، لكنه لا يعوض غياب معايير واضحة، ولا يمنح الحكومة حصانة من النقد.

لا تُقاس قوة رئيسة الحكومة بسرعة إعفاء وزيرة أصبحت محط جدل، بل بقدرتها على تحديد مكامن الخلل، ومراجعة إجراءات الاختيار، ومنع تكرار الأزمة، فالإعفاء يعالج وضعية الوزيرة، لكنه لا يجيب عن سؤال المسؤولية عن وصولها إلى الحكومة.

والمفارقة أن حكومة أول امرأة تبدأ أزماتها بإعفاء امرأة، لكن المساواة لا تعني حماية أي مسؤول بسبب جنسه، كما لا تبرر التشكيك في أهلية النساء، المطلوب هو تطبيق المعايير نفسها على الجميع.

الاستقالة.. هل المقعد ملك للحزب؟

إن انتقال الأزمة من الحكومة إلى البرلمان يطرح سؤالا جوهريا حول الشرعية الانتخابية، فقد وصلت خيير إلى مجلس النواب بأصوات الناخبين، وليس بقرار من قيادة الاستقلال وحدها.

الإعفاء من الحكومة لا يعني تلقائيا فقدان العضوية البرلمانية، فلكل موقع مساره القانوني، أما الاستقالة، فيجب احترامها إذا كانت إرادية ومستوفية للشروط القانونية، لكن من المشروع التساؤل عن طبيعتها عندما تأتي بطلب من القيادة الحزبية.

لانملك دليلا على وجود إكراه، لكن الفرق كبير بين استقالة نابعة من قناعة شخصية وتنازل تفرضه حسابات احتواء الأزمة.

المقعد البرلماني ليس ملكا للنائب، لكنه ليس ملكا للقيادة الحزبية أيضا؛ إنه جزء من تمثيل سياسي أفرزته إرادة الناخبين.

لا نريد كبش فداء.. نريد محاسبة الجميع

لا ندافع عن خيير، ولا نطالب بإعفائها من أي مسؤولية قد تثبت قانونيا، كما لا نطالب بإدانة قيادة الاستقلال أو رئيسة الحكومة دون دليل، نطالب برفض المحاسبة الانتقائية: إذا ثبتت مسؤولية الوزيرة، فلتتحملها؛ وإذا ثبت قصور في تدقيق الحزب، فلتتحمل قيادته مسؤوليتها السياسية؛ وإذا كشفت الواقعة خللا في آليات التعيين، فلتُراجع تلك الآليات وتُحدد المسؤوليات.

وتزداد أهمية ذلك في سياق ضعف المشاركة الانتخابية، التي بلغت 38.08 في المائة وفق النتائج المعلنة لانتخابات 23 شتنبر. فمثل هذه الوقائع، إذا لم تُعالج بشفافية، تعمق الاعتقاد بأن معايير اختيار المسؤولين غير واضحة، وأن المحاسبة تتوقف عند الحلقة الأضعف.

لا نريد رأس مديحة خيير، ولا نبحث عن رأس نزار بركة أو فاطمة الزهراء المنصوري. نريد أن نعرف كيف اتُّخذ القرار، وعلى أي أساس، ومن يتحمل مسؤوليته، وما الذي سيتغير حتى لا يتكرر.

الدولة القوية لا تكتفي بإعفاء مسؤول في أقل من 48 ساعة، بل تفسر كيف وصل إلى منصبه، وتحاسب من ثبت تقصيره، وتصلح القواعد التي سمحت بوقوع الأزمة.

أما التضحية بشخص واحد مع إبقاء منظومة الاختيار والمحاسبة على حالها، فليست إصلاحا، بل مجرد تدبير سياسي للأضرار، والتفاف على ضغوطات الرأي العام وصحافته.

الثقة في المؤسسات لا تُبنى بالاستقالات وحدها، وإنما بمعايير واضحة، ومحاسبة الجميع دون استثناء، واحترام الشرعية الانتخابية.

المطلوب ليس كبش فداء، بل مؤسسات أقوى ومسؤولية لا تتوقف عند أول اسم في واجهة الأزمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى