متاهات حقوقية في ذكرى رحيل بنزكري…في تقييم أدوار المجلس الوطني لحقوق الإنسان3/3

0

عزيز إدامين الفاعل الحقوقي

 تحل الذكرى الثانية عشر لوفاة أحد رموز الحركة الحقوق المغربية، الراحل ادريس بنزكري، واضع اللبنات الأولى لما سمي بـ”العدالة الانتقالية” بالمغرب.

وهي محطة للوقوف على مدى تقدم تنفيذ توصيات هيئة الانصاف والمصالحة، وأيضا للوضع الحقوق بشكل عام، خاصة بعد السنوات الأخيرة التي عرفت تراجعات كثيرة وبلغة الحقوقيين سنوات “الردة الحقوقية”، وسنوات “الرصاص” والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان” ولكن بصيغ ومقاربات جديدة.

المندوب عليه أن يشتغل وفق “المهام الموكولة إليه” صراحة أي وفق مرسوم اختصاصات المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان، مع رفع من نسبة الاهتمام بتعزيز أي النهوض بأدوار الحماية (وفق ما هو محدد في المرسوم فقط وفقط) التي تقوم بها هيئات أصلية وهي المجلس الوطني لحقوق الانسان وهيئات المجتمع المدني، ولا يمكن وفق الرسالة الملكية ولا وفق المعايير الدولية أن تتحول المندوبية الوزارية إلى آلية حمائية، اللهم إذا أصبحت الحكومة تمثل دور الحكم والخصم في آن واحد أمام انتهاكات حقوق الإنسان.

إن منظومة حقوق الإنسان تشتغل وفق مقاربتين، مقاربة تعزيز الحقوق ومقاربة حماية هذه الحقوق، هذه الأخيرة لها فاعلوها وأدوات ومساطرها المعترف بهم دوليا، والأولى أيضا وتتعلق بنفس الأدوار السابقة للمندوبية، أي التفاعل مع هيئات المتحدة، والتي سبق في هذا المقال الإشارة إلى النواقص والتأخر في عدد من تقارير لجن المعاهدات، والتنسيق بين القطاعات الحكومية ذات الصلة، والتعاون مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان وتقوية قدرات عمل المجتمع المدني.

ختاما، إذا كانت هناك قراءات متعددة للخطب والرسائل الملكية، فإنها تدفعني للقول إن: قول الملك في عهد محجوب الهيبة أن “المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان .. تنفذ الرؤية الملكية الخاصة بحماية حقوق الإنسان بالمغرب”  أقوى بكثير من ربط الحماية بالتعزيز في الرسالة بمناسبة 70 سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومع ذلك فإن المندوب السابق والخبير الدولي والأممي في مجال حقوق الإنسان لم يجرأ أن يقول أن “أنا المسؤول الأول على الحماية”.

المجلس الوطني لحقوق الانسان

إن تقييم حالة وعمل المجلس الوطني لحقوق الانسان  يتطلب أكثر من مجرد مجزوءة في مقالة، ولكن يمكن تسجيل عدة ملاحظات سواء المجلس خلال الولاية السابقة، أو ولايته الحالية.

أجمع الفرقاء الحقوقيون كون المجلس خلال الولاية السابقة تحول تدريجيا من مؤسسة معنية بحماية حقوق الإنسان والنهوض بها، إلى مكتب دراسات، من خلال إيلاء أهمية للدراسات والتقارير على حساب الإجراءات الحمائية وتعزيز قدرات ومهارات المعنيين بمجال حقوق الإنسان.

بالعودة إلى قراءة مضامين الظهير رقم 1.11.19 المحدث للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في نسخته الأولى، يمكن تسجيل أن أصحابه تخلوا أو لم يمارسوا ثلثي الاختصاصات الموكولة إليه:

  • عدم إصدار أي تقرير سنوي طيلة ولايته الستة سنوات.
  • عدم زيارة أماكن الاحتجاز والاعتقال وسلب الحرية، باستثناء زيارات السجون، وهذه العملية الأخيرة مردها للإرادة الحسنة للسيد المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج بانفتاحه على مكونات الحركة الحقوقية، إذ عقد عدة شركات مع المرصد المغربي للسجون، وجمعية عدالة، بل إن طلبة كلية الحقوق بالمحمدية يزورون السجون أسبوعيا ويلتقون عشرات السجناء، وبالتالي فالزيارات التي يقوم بها المجلس الوطني لحقوق الانسان تأتي في هذا السياق، لهذا نجد “صفر” زيارة لكل من مخافر الشرطة والدرك ومراكز قوات الأمن، مناطق العبور بالمطارات الدولية، مراكز الاحتجاز العسكري … كما هي محدد في البروتكول الاختياري الملحق باتفاقية مناهضة التعذيب ومبادئ باريس.
  • عدم إصدار تقارير مرتبطة بالمحاكمات، خاصة فيما يتعلق بتظاهرات 20 فبراير، وعدم نشر التقرير الكامل لوفاة كمال العماري، أو تقرير الاحتجاج على “العفو” المجرم البيدوفيلي دانييال كالفان، رغم أن المجلس وعد بنشر تقرير عن ذلك.
  • عدم إجراء أي وساطات إبان الاحتجاجات أو الاحتقان، كما نص على ذلك الظهير المؤسس ومبادئ باريس، والوساطة الوحيدة التي حاول إجراءها وفشلها فيها، تتعلق بأحداث الحسيمة.
  • عدم إنشاء مراصد الحريات والحقوق كما نص على ذلك القانون.
  • عدم إحداث الجائزة الوطنية لحقوق الإنسان، كما نص على ذلك الظهير.

  • عدم قدرته على تحمل مسؤوليته الحقوقية والسياسية وفي التقرير المسرب والمتعلق بادعاءات تعذيب معتقلي الحسيمة.
  • عدم إصدار تقرير أو رأي يتعلق بالانتهاك التي تعرض له ناصر الزفزافي من خلال تسجيله عاريا.
  • عدم إصدار تقرير حول محاكمة توفيق بوعشرين، كما وعد بذلك.
  • عدم إصدار تقرير حول محاكمة معتقلي الحسيمة، كما وعد بذلك.
  • عدم إصدار منجز تنفيذ توصيات هيئات الإنصاف والمصالحة كما صرح ووعد بذلك منذ سنة دجنبر 2015.

هذه مجرد لائحة أولية لما هو منصوص عليه صراحة في الظهير المحدث للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والتي لم يتم تفعيلها.

أما المجلس في صيغته القانونية الحالية، فهو حول كل آليات الحمائية إلى مجرد مصالح إدارية، وعملها رهين بإرادة المؤسسات الأخرى، أي أن الزيارات والتقصي مرتبط بنظام الترخيص وليس نظاما فجائيا.

ومن حيث ممارسته الحالية حسب الاصداء التي تصل، ونذكر هنا ما نشره موقع كود بتاريخ 02 ماي 2019 بعنوان “حصلةبوعياش في  CNDH”، فإنه يبين بجلاء التوجه الجديد للقيادة الجديدة للمجلس، وإن كان عنوانها “الحكامة” و”التقشف”، فإن بعض الأسئلة تبقى عالقة في هذا المجال:

  • هل تستطيع القيادة الجديدة نشر ميزانية تدبير المنتدى العالمي لحقوق الإنسان في نسخته الثانية بمراكش، كما وعد المجلس إبانها بنشرها بشكل مفصل على موقعه الاليكتروني؟

  • هل تستطيع القيادة الجديدة نشر ميزانية تدبير منتديات التحضير للكوب 22 ، كما وعد المجلس بذلك؟

  • هل تستطيع القيادة الجديدة نشر الميزانيات التي صرفت على عشرات التقارير التي لم ترى النور (تقرير العاملات الزراعيات، تقرير الأشخاص المسنين، تقرير الحقوق الاجتماعية للعمال …) والتي كان الغرض منها فقط “تبيض” تعويضات لبعض الأفراد والأعضاء؟

  • هل تستطيع القيادة الجديدة ضبط حضيرة السيارات، التي عوض وضعها رهن إشارة الموظفين والأعضاء لزيارة السجون وإنجاز المهام، يتم استعمال السيارات الخاصة، لأن سيارات المجلس موضوع رهن إشارة زوجات بعض الرؤساء؟

  • هل تستطيع القيادة الجديدة ضبط مقرات المجلس التي تحولت بعض مكاتبها إلى مقر لشركات خاصة لأفراد ومقرات لجمعيات لا علاقة لها بعمل المجلس؟

مرة أخرى هذه مجرد أسئلة أولوية، وسيتم طرح أسئلة أخرى ذات الصلة أكثر تدقيقا وأكثر خرقا لقواعد الشفافية والحكامة.

بالعودة إلى موضوع عمل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، إن كل المؤشرات توحي أن الناس فقدوا الثقة في مؤسسة كانت بمثابة أمل في الدفاع عن حقوقهم وحرياتهم، وأنها محاميها أمام الدولة، فتأكدوا أنها لا تقل عن كونها مؤسسة ريعية ومحامية الدولة، بل وإنها ناطقة رسمية باسم أجهزة الدولة، وآلية لتصريف المواقف وبعض الإجراءات التي تستحي الدولة الإعلان عنها فتدفع بها كذا “المؤسسة” للتعبير عنها.

اترك رد