اقتصادالرئسية

المغرب بين مطرقة الديون وسندان “المشاريع الكبرى”

 

تحرير: جيهان مشكور

تبدو صورة الاقتصاد المغربي في السنوات الأخيرة شديدة التناقض: مشاريع ضخمة تُرفع على الورق وتُسوَّق كإنجازات استراتيجية، في مقابل خزينة عمومية تُستنزف بقروض متتالية تُثقل كاهل الدولة والمجتمع معاً، فبحسب الأرقام الرسمية، يُرتقب أن يلامس الدين العام عتبة “130 مليار دولار بحلول 2025” ، أي ما يعادل نحو “79.2% من الناتج المحلي الإجمالي”، تجعل هذه النسبة المغرب ضمن الدول الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي في المنطقة، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول استدامة النموذج التنموي الذي يُبنى أساساً على القروض.

قروض بأسماء براقة ومشاريع تنتظر العائد

أحدث حلقات مسلسل المديونية جاءت عبر موافقة مجلس إدارة صندوق «أوبك» للتنمية الدولية على قرض جديد يتجاوز “مليار درهم” ، مخصص لدعم المرحلة الثانية من برنامج «دعم وتعزيز الحوكمة الاقتصادية والمرونة في مواجهة التغير المناخي».. عنوان يبدو مثالياً على الورق: الحوكمة، المرونة، المناخ… لكن خلف هذا الغلاف البيئي والحداثي تختبئ حقيقة أكثر مرارة، وهي أن المغرب يواصل تمويل ضروراته الأساسية عبر الاقتراض، من الماء إلى الطاقة، ومن البنية التحتية إلى الخدمات الاجتماعية.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي “أمين سامي” أن المغرب لا يملك خياراً آخر في الوقت الراهن، فتمويل العجز يحتاج إلى موارد إضافية، والحكومة برمجت للاقتراض في 2025 ما يقارب “12.5 مليار دولار” ، نصفها من الأسواق الدولية والنصف الآخر داخلياً.

وجهان للعملة: استثمار من جهة، نزيف من جهة أخرى

من الناحية النظرية، يمكن للديون أن تلعب دور الرافعة: تمويل مشاريع تحلية المياه، الطاقة النظيفة، والبنيات التحتية الحيوية،، هذه الاستثمارات قادرةإذا أُديرت بحكامة حقيقية على خلق مردودية اقتصادية وصحية واجتماعية، وعلى حماية الاقتصاد من صدمات الجفاف أو الأزمات العالمية، بل إن بعض الأوساط ترى أن المغرب، عبر توجيه قروضه إلى قطاعات مثل الطاقات المتجددة أو السياحة والصناعات التصديرية، قد يحول الدين إلى أداة جلب للعملة الصعبة.

لكن الوجه الآخر للعملة أكثر قتامة: خدمة الدين، فالفوائد وحدها تلتهم سنوياً مليارات الدولارات من الميزانية، على حساب قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم والتشغيل.. و بدل أن تتجه الموارد إلى معالجة البطالة التي تطال مئات الآلاف من الشباب، أو إلى إصلاح التعليم العمومي الذي يعاني من ضعف الجودة، تجد الدولة نفسها أسيرة تسديد أقساط وفوائد قروض سابقة.

دوامة الديون وأوهام “المشاريع الكبرى”

تكشف الأرقام مفارقة صارخة: بين 2012 و2023 ارتفع الدين العمومي المغربي من حوالي “60%” إلى ما يقارب “80% من الناتج المحلي” ، في وقت لم يشعر فيه المواطن العادي بانتعاش يوازي هذا التوسع في الاقتراع.. فالمشاريع الممولة – من موانئ وسكك ومناطق صناعية – لم تُترجم بعد إلى فرص شغل واسعة أو إلى تحسين ملموس في القدرة الشرائية.

و الأدهى أن الحكومة قد تلجأ إلى أدوات مالية بديلة كإصدار الصكوك السيادية أو السندات الدولية، ما يعني عملياً المزيد من الديون بطرق “مبتكرة”، دون معالجة أصل الأزمة: ضعف الموارد الذاتية للدولة، وعجزها المزمن عن تعبئة الثروة الوطنية لصالح الجميع.

مخاطر السيادة الاقتصادية

من جهته ،يحذر الخبير سامي من أن الاعتماد المفرط على الدين قد يتحول إلى “عبء سيادي” ، خصوصاً إذا ما ارتفعت أسعار الفائدة العالمية أو تراجع سعر صرف الدرهم، أي زيادة طفيفة في الفائدة العالمية قد تعني مليارات إضافية في فاتورة خدمة الدين.. وهذا يجعل المغرب عرضة لابتزاز الأسواق المالية وصناديق التمويل الدولية، حيث يصبح القرار الاقتصادي رهيناً لشروط مقرضين خارجيين أكثر من كونه تعبيراً عن سياسة وطنية مستقلة.

توصيات بملامح ملكية

في خطبه المتكررة، دعا الملك محمد السادس إلى ربط الاقتراض بمشاريع إنتاجية واضحة تحقق مردودية اقتصادية واجتماعية، ويستعيد الخبير سامي هذا التوجيه ليشدد على ضرورة توجيه التمويلات إلى قطاعات قادرة على جلب العملة الصعبة: من السياحة إلى الصناعات التصديرية كالسيارات والطيران، ومن الفلاحة الموجهة للأسواق الخارجية إلى التكنولوجيا المالية.. غير أن السؤال الملح: هل تملك الحكومة فعلاً القدرة والكفاءة لتطبيق هذا التوجيه؟ أم أن القروض ستظل تسيل لعابها لتغطية النفقات الجارية، ما يعني تراكم أعباء جديدة على الأجيال المقبلة؟

أرقام صادمة وواقع اجتماعي متناقض

بحسب تقارير وزارة المالية، تستهلك خدمة الدين سنوياً أكثر من “100 مليار درهم” ، أي ما يقارب ضعف ميزانية الصحة العمومية، وفي بلد يحتل مراتب متأخرة في جودة التعليم، ويعاني فيه أكثر من “3.5 ملايين مواطن من البطالة”، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل الأولوية لبناء ملاعب كلفتها مئات المليارات، أم لضمان تعليم جيد ومستشفيات تليق بالقرن الواحد والعشرين؟

اقتصاد على “الكريدي”

يعيش المغرب اليوم على إيقاع اقتصاد “الكريدي”، حيث تتحول القروض من وسيلة استثنائية للتمويل إلى قاعدة ثابتة لتسيير الدولة، قد تنجح هذه الاستراتيجية في تمويل مشاريع كبرى وتلميع صورة المغرب خارجياً، لكنها داخلياً تترك أثراً اجتماعياً واقتصادياً ثقيلاً: بطالة مرتفعة، خدمات عمومية متدهورة، وأجيال ترث ديناً لم تشارك في إنفاقه.

إن مواجهة هذا الوضع لا تتطلب فقط البحث عن قروض بشروط أفضل، بل قبل كل شيء إرادة سياسية حقيقية لإصلاح المالية العمومية، ومحاربة الهدر والفساد، وتعبئة الثروة الوطنية بعدالة.. وإلا فإن المغرب سيظل يراكم الديون تحت لافتة “التنمية”، فيما الحقيقة أنه يقايض مستقبله مقابل حاضر هش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى