الرئسيةسياسة

الماء يمرّ من أمام خميس آيت عميرة… ولا يدخل بيوتها

بقلم بثينة المكودي

في قلب جهة سوس-ماسة، وعلى بُعد كيلومترات قليلة من واحدة من أكبر محطات تحلية مياه البحر بالمغرب، تعيش خميس آيت عميرة على وقع عطش مزمن لا يرحم. مشهد يومي يتكرر: صهاريج تجوب الأحياء، طوابير جرار بلاستيكية أمام المنازل، واستنزاف أعصاب ساكنة لم يعد السؤال عندها “متى تتحسن الخدمة؟” بل “هل نحن معنيون أصلاً بالحق في الماء؟”.

عطش قرب البحر

المفارقة الصادمة في ملف خميس آيت عميرة أن الماء المُحلى يمرّ بجوارها متجهاً إلى أكادير وضواحيها السياحية، بينما تظل الجماعة نفسها تعاني انقطاعات طويلة، وضعفاً مهيناً في الصبيب، وأحياء بكاملها لا تصلها المياه إلا ساعات معدودة في الأسبوع. واقع يدفع الكثير من الأسر إلى الاعتماد القسري على الصهاريج، في كلفة إضافية تثقل كاهل الفئات الهشة، وتُحوّل الماء من حق إلى سلعة.

طبقية مجالية بعناوين مائية

لم تعد أزمة الماء هنا مجرد إشكال تقني، بل تعبيراً صارخاً عن طبقية في توزيع الموارد. فنادق، مسابح ومناطق سياحية لا تشعر بندرة الماء بقدر ما يشعر بها سكان دواوير وأحياء شعبية في جماعة لا تبعد عن “أنبوب النجاة” سوى أمتار. هكذا تُرتّب الأولويات خارج منطق الإنصاف: تُسقى الواجهة ويتم تجاهل الهامش، رغم أن الاثنين فوق التراب نفسه، وتحت السماء ذاتها.

شبكات متقادمة ووعود مؤجلة

تُرجع السلطات المحلية جزءاً من المشكلة إلى تهالك الشبكات، وقدم المضخات، وضعف الخزانات، وفقدان كميات كبيرة من الماء بسبب التسربات. كما يُطرح انتقال تدبير القطاع إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات كرهان إصلاحي، مع وعود بتأهيل الشبكة وربط الجماعة بمحطة التحلية. غير أن الساكنة تتساءل: لماذا تصل مياه التحلية إلى مدن بعيدة قبل أن تصل إلى جماعة توجد عملياً على هامش المشروع ذاته؟

الصحة أول الضحايا

انقطاع الماء لا يعني فقط العطش، بل يعطّل النظافة، ويضاعف المخاطر الصحية، ويجعل الحياة اليومية معركة بقاء: مدارس بلا ماء أياماً، مرافق صحية مرتبكة، وأسر تُجبر على تقنين الاستحمام والغسيل في ظروف غير إنسانية. الأزمة هنا ليست تقنية… إنها تمس الكرامة.

أين الخلل؟

أسئلة كثيرة تفرض نفسها، من يُقرّر خريطة توزيع الماء؟

لماذا تُفضَّل المناطق السياحية على جماعات قروية مأهولة؟ أين وصلت مشاريع التأهيل المعلنة؟ متى تتحول محطة التحلية من ورقة إعلامية إلى عدالة مائية؟

الماء حق… لا امتياز

الماء ليس ترفاً ولا خدمة إضافية، بل حق دستوري وأساس كل الحقوق الأخرى. وخميس آيت عميرة اليوم ليست حالة معزولة، بل نموذج مكثف لأزمة وطنية في الحكامة المائية: أزمة توزيع قبل أن تكون أزمة موارد.

ما تحتاجه الجماعة ليس بلاغات، بل جدولاً زمنياً واضحاً، وتمويلاً شفافاً، وأولوية أخلاقية تُعيد الاعتبار للمواطن القروي. فحين يصل ماء التحلية إلى الفنادق قبل البيوت، نكون أمام سياسة عطش صامتة… لا مجرد خلل في شبكة.

دابا بريس ستواصل تتبع هذا الملف إلى أن يصبح الماء في خميس آيت عميرة حقاً مكفولاً، لا حلماً مؤجلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى