
° تحرير: بوثينة المكودي
تحوّلت أغنية لفيروز، كانت تُبثّ بهدوء داخل مقهى بمدينة تازة، إلى محضر رسمي ومخالفة موثقة بتاريخ 4 دجنبر، بعدما حرّرت لجنة تابعة للمكتب المغربي لحقوق المؤلفين محضراً في حق صاحب المقهى بسبب “استعمال مصنف محمي دون ترخيص”، استناداً إلى قانون حقوق المؤلف رقم 2.00. واقعة بسيطة في ظاهرها، لكنها أشعلت نقاشاً واسعاً حول حدود تطبيق القانون ومعناه الاجتماعي.
فيروز تتحوّل إلى “مخالفة”
الواقعة، التي خرجت سريعاً من جدران المقهى إلى الفضاء الرقمي، فجّرت سيلاً من التساؤلات: هل يُعقل أن تتحول الموسيقى إلى “جنحة” داخل مقهى شعبي؟ وأين تقف حدود حماية الإبداع الفني، وأين تبدأ مراعاة واقع أصحاب المشاريع الصغرى؟
من يدافع عن الإجراء يرى فيه تطبيقاً طبيعياً لقانون وُضع لحماية حقوق المبدعين وضمان استفادتهم من عائدات أعمالهم حين تُستعمل في فضاءات تجارية، بغضّ النظر عن حجم المشروع. فالقانون، في هذه القراءة، لا يعرف الاستثناءات العاطفية ولا يقف عند رمزية فيروز أو غيرها، بل يتعامل مع “مصنف فني” يُستغل في إطار اقتصادي، ولو كان محدوداً.
لكن على الجهة المقابلة، يذهب منتقدو الواقعة إلى أن التطبيق جاء فجّاً، وأشبه بإطلاق النار على الهامش، متسائلين: هل كان صاحب المقهى يستثمر أغاني فيروز لجني الأرباح، أم أنه يخلق جواً بشرياً بسيطاً لزبنائه؟ وهل صغار المهنيين في المدن المتوسطة مطالبون اليوم بفواتير موسيقى إلى جانب فواتير الماء والكهرباء والكراء؟
منطق المدافعين: القانون لا يعرف الاستثناء
أصحاب المقاهي الصغيرة يرون الأمر بمنظار آخر تماماً. بالنسبة إليهم، الموسيقى ليست منتجاً يُسوَّق، بل خلفية إنسانية لكؤوس الشاي والحديث اليومي. فرض تراخيص مرتفعة في هذا السياق، يقولون، يعني دفع مشاريع هشة إلى حافة الاختناق، في وقت يعانون فيه أصلاً من الغلاء وتراجع القدرة الشرائية.
تكشف هذه الواقعة، بوضوح، هشاشة التوازن بين نص قانوني صلب وواقع اجتماعي متحرّك. فالقانون وُضع لحماية الإبداع، لا لتحويله إلى عبء يومي على صغار الكَسَبة. وبين منطق “الحماية الصارمة” ومنطق “الواقع المعيشي”، يبدو أن المقاربة الحالية تفتقر إلى حسّ اجتماعي قادر على التمييز بين الاستغلال التجاري الكبير والخلفية الثقافية البسيطة في مقهى شعبي.
حادثة تازة… وحقيقة النقاش المؤجّل
حادثة تازة ليست عن فيروز وحدها، بل عن سؤال أكبر: هل يُدار القانون بمنطق واحد في كل السياقات؟ أم أن الإنصاف يقتضي حلولاً وسطى؟ من قبيل تسعيرات رمزية، أو تراخيص مجمّعة، أو تعريف أدق لمفهوم “الاستغلال التجاري”، يراعي حجم النشاط وقدرته المالية.
في تازة، لم تُكسر القاعدة فقط بأغنية، بل كُشف النقاب عن نقاش مؤجل حول عدالة التطبيق قبل صرامة النص. والكرة اليوم في ملعب الجهات المعنية: إما إصلاح يوازن بين حق المبدع وحق البسيط، أو مزيد من المحاضر… ومزيد من الغضب الصامت خلف الطاولات.




