اقتصادالرئسية

المناولة: اقتصاد ظل بأختام رسمية

°تحرير: جيهان مشكور

تقترب المفتشية العامة للمالية من إنهاء تقرير تفتيشي نوعي كشف اختلالات جسيمة في سبع مؤسسات ومقاولات عمومية وملحقاتها، حيث يمر جزء من هذه الكعكة عبر مساطر تفاوضية مباشرة تختزل المنافسة في التوقيع والابتسامة، بعيدًا عن المعايير التقنية والسعرية..

و في بلد تمثل فيه الصفقات العمومية ما بين 15 و17 في المئة من الناتج الداخلي الخام، أي ما يقارب 160 مليار درهم سنويا، فإن هذه الصفقات المناولة تتحول إلى اقتصاد ظل تحرسه الأختام الرسمية بدل أجهزة الرقابة، وتصبح ملعبًا للمصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.

من الشفافية إلى التفصيل على المقاس

جاء المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، بشعارات تعزيز الشفافية وتوسيع ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة، لكن الواقع يكشف تحويلا ممنهجا لهذه الروح.. حيث أظهرت وثائق الافتاحاص تفريخ صفقات فرعية على المقاس، ودفاتر شروط خاصة مفصلة بعناية لإقصاء منافسين مؤهلين رغم تقديمهم شهادات خبرة وتجارب مثبتة، و تدخل مسؤولين في صياغة الطلبات ومحاضر التسليم، ما أتاح تمرير صفقات صيانة وأشغال طارئة لمقاولات بعينها، بينما تُسقط عيوب واضحة من التقارير لتظهر الأمور على الورق وكأنها مكتملة.

أموال بلا حسيب وإفراط في التكاليف

كما كشفت عمليات الفتحاص عن طلبات تمويل غير مبرمجة وتجاوز التكاليف المخصصة للمشاريع، و أظهرت المفتشية حالات تجميد لملايين الدراهم من متأخرات المقاولات لحين تقديم الوثائق التي تثبت احترام المساطر، بما فيها شهادات إبراء الذمة الضريبية .. هذه الفوضى المحاسباتية وتخبط في إدارة الميزانية أظهرا هشاشة الرقابة المالية.

و في المقابل تجدر الاشارة أن 16 ملفا فقط هو ما أحيل على النيابة العامة من قبل المجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024، رغم أن الاختلالات المسجلة في تدبير المال العام طالت 110 كيانات، ما يعكس فجوة هائلة بين حجم الأعطاب وواقع المحاسبة.

من النواصر إلى الخريطة الوطنية

لا تعتبر الشركة بالمنطقة الصناعية بالنواصر التي أظهرت المعلومات المتوفرة تواتر ورود اسمها ضمن قوائم المستفيدين من صفقات المناولة الخاصة بمؤسسة عمومية استثناء، فالفواتير الغير منسجمة مع محاضر التسليم والثغرات في تتبع النقل والتخزين تكشف أن الأعمال غالبًا ما تكتمل على الورق قبل أن تبدأ على الأرض..، و في سوق للمناولة يحقق أكثر من 160 مليار درهم سنويًا ويضم أزيد من 3 آلاف مقاولة وأكثر من 400 ألف منصب شغل، يصبح التساهل مع هذه الممارسات تهديدًا مباشرًا للشغل والإنتاجية ومصداقية الدولة.

محاربة الهدر أم تأبيد الريع

بين خطاب رسمي يعد بالمحاسبة وواقع يكتفي بتصحيح المساطر، تظل صفقات المناولة صندوقًا أسود يبتلع المال العام ويعيد إنتاج نفس النخب المستفيدة بنفس الهدوء والابتسامة، ليصبح السؤال المركزي ليس عن وجود الاختلال، بل عن جدية الإرادة في وضع حد لهذا الريع المستشري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى