اقتصادالرئسية

شركات تتكرر..أعطاب الحكامة الرقمية بالمملكة

كشفت معطيات متطابقة أن المفتشية العامة للمالية باشرت عملية افتحاص موسعة شملت 17 إدارة ومؤسسة عمومية في سياق يتسم بتسارع وتيرة التحول الرقمي داخل الإدارة العمومية، و ركزت بالأساس على صفقات اقتناء وصيانة الأنظمة المعلوماتية ومشاريع الرقمنة..

هذا التحرك الرقابي، الذي يتم بعيداً عن الأضواء، لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد تواتر مؤشرات قوية حول اختلالات جسيمة شابت تدبير مشاريع رقمية رُصدت لها اعتمادات مالية ضخمة في إطار برامج وطنية رُفعت تحت شعار الحكامة الإلكترونية وتحديث المرفق العام.

مليارات تُضخ ونتائج دون التوقعات

ترسم التقارير الأولية للافتحاص صورة مقلقة لوضعية عدد من المشاريع الرقمية التي استنزفت موارد مالية مهمة دون أن تحقق الأهداف المعلنة، من منصات إلكترونية لم ترَ النور الى أنظمة معلوماتية أُطلقت ثم جُمّدت، وبرامج رقمنة لم تتجاوز حدود العناوين الكبرى في البلاغات الرسمية.. أعاد هذا التباين الصارخ بين الكلفة المالية والعائد العملي إلى الواجهة سؤال النجاعة والجدوى، خاصة في ظل ضغط اجتماعي واقتصادي متزايد يتطلب توجيه كل درهم من المال العام نحو أولويات حقيقية.

طلبات عروض على المقاس

وفق مصادر مطلعة فإن أخطر ما رصدته عناصر المفتشية العامة للمالية، يتعلق بشبهات تلاعب في مساطر طلبات العروض، خصوصاً في مرحلة إعداد دفاتر التحملات والشروط التقنية والمالية، فقد تبين أن بعض الشروط صيغت بشكل دقيق ومعقد يحدّ من دائرة المنافسة، ما يفتح الباب أمام شركات بعينها ويقصي فاعلين آخرين، في تعارض واضح مع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص،ما يتجاوز إشكال احترام القانون، إلى المساسِ بجوهر الثقة في مسار الإصلاح الإداري برمته.

شركات محظوظة وتعاقدات متكررة

و في ذات السابق، كشف الافتحاص أيضاً نمطاً متكرراً في إسناد الصفقات، حيث تظهر أسماء شركات بعينها في أكثر من إدارة ومؤسسة، أحياناً بنفس الحلول التقنية وبنفس العروض المالية تقريباً، ما يثير الشكوك حول وجود شبكات مصالح تستفيد من ضعف التنسيق بين الإدارات ومن غياب تقييم جدي للمشاريع السابقة قبل إطلاق صفقات جديدة، ما يحول الرقمنة من رافعة للتحديث إلى مجال لإعادة إنتاج الريع بأساليب رقمية.

غياب التتبع والمساءلة

من بين الإشكالات البنيوية التي رصدها المفتشون، ضعف آليات التتبع والتقييم بعد إسناد الصفقات.. فعدد من المشاريع لم يخضع لأي افتحاص تقني مستقل يقيس مدى احترام الالتزامات التعاقدية وجودة الخدمات المقدمة، كما غابت في حالات كثيرة المحاسبة الإدارية في حال فشل المشاريع أو تعثرها.. يجعل هذا الفراغ الرقابي الداخلي من الافتحاص الحالي تدخلاً متأخراً، لكنه ضروري، لإعادة ضبط البوصلة.

اختبار حقيقي للإرادة الإصلاحية

ما يجري اليوم داخل دهاليز المفتشية العامة للمالية يتجاوز مجرد افتحاص تقني أو مالي، ليشكل اختباراً حقيقياً لمدى جدية الدولة في ربط المسؤولية بالمحاسبة في ورش استراتيجي كرقمنة الإدارة، فإما أن تُترجم خلاصات هذه العملية إلى قرارات حازمة وإحالات قضائية عند الاقتضاء، وإما أن تُضاف إلى أرشيف تقارير ثقيلة لا تغيّر من الواقع شيئاً، وفي الحالتين، يبقى الرهان قائماً على استعادة المعنى الحقيقي للرقمنة كخدمة عمومية ناجعة، لا كواجهة تقنية تُخفي اختلالات التدبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى