الرئسيةدابا tvذاكرةشواهد على التاريخ

بنسعيد آيت إيدر: شيخ اليسار الذي لم يشخ

لم يكن محمد بنسعيد آيت إيدر شيخا بالمعنى الذي يُحال فيه إلى التعب أو الانكفاء، بل كان شيخ اليسار لأنه بلغ من الحكمة ما لا يبلغه إلا من طال اشتباكه مع التاريخ، ومن صفاء الرؤية ما لا يملكه إلا من ظل وفيا للحلم.

شيخ في التجربة، شاب في الرؤية، منحاز دائما إلى المستقبل، لا إلى الكرسي، ولا إلى الزعامة التنظيمية، ولا إلى طقوس المجد الزائل.

لقائه بالمختار السوسي لحظة فارقة

وُلد في فاتح يوليوز 1925 بقرية تين منصور بإقليم شتوكة آيت باها، في قلب سوس، حيث تتشكل الصلابة الأولى للإنسان من شح العيش وكرامة الانتماء. تلقى تعليمه في المدارس العتيقة، فنهل من معين المعرفة التقليدية، قبل أن يلتقي بعد الحرب العالمية الثانية بالفقيه محمد المختار السوسي، اللقاء الذي لم يكن عابرا، بل تأسيسيا في وعيه بالثقافة والهوية والذاكرة.

في مراكش، بمدرسة ابن يوسف، انفتح الشاب القادم من سوس على السياسة بمعناها الواسع: قضية وطن. هناك، إلى جانب عبد الله إبراهيم وعبد القادر حسن والمهدي بن بركة، تشكل وعيه الوطني، وبدأ طريقا طويلا لم يعرف فيه التراجع ولا المساومة.

وحين دق زمن البندقية، لم يتردد؛ شارك في قيادة فرق جيش التحرير المغربي، وساهم في تكوين خلايا المقاومة، رفقة أسماء صارت جزءا من الذاكرة الوطنية: عمر المسفيوي، محمد باهي، ناضل الهاشمي، إدريس بن بوبكر، الأنصاري بلمختار، لغظف بن عبد الله وغيرهم، حيث كان الفعل سابقا على الخطاب، والتضحية شرط الانتماء.

بعد الاستقلال اختار طريقا أصعب: طريق المعارضة

بعد الاستقلال، اختار طريقا أصعب: طريق المعارضة. عارض نظام الحكم في عهد الملك الحسن الثاني دون مواربة، فكان الثمن ثقيلا: اعتقال سنة 1960، ثم 1963، فحكم غيابي بالإعدام سنة 1964، ومنفى طويل بدأ بالجزائر ثم فرنسا.

في المنفى، لم يتحول إلى لاجئ سياسي يلعن الماضي، بل إلى مناضل يعيد بناء أدواته، فانخرط في تجربة منظمة 23 مارس ذات التوجه الماركسي اللينيني، مؤمنا بأن الفكر جزء من المقاومة، وفيها كان ميدانيا في كل التفاصيل بدءا من توزيع الجريدة 23 مارس، إلى عقد أكبر اللقاءات والانخراط في اكبر المفاوضات، نفسه الشخص ونفسها القناعات، واختلف شكلا ومضمونا عن مفاوضات جرت قبله وبعده.

عاد إلى المغرب سنة 1981، لا ليطلب الصفح، بل ليواصل النضال من داخل المؤسسات، مؤسسا تجربة منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي انتُخب أمينا عاما لها سنة 1983.

ومن قبة البرلمان، كان صوتا نشازا في زمن الصمت، أول من كسر جدار الخوف وطرح علنا قضية معتقل تازمامارت، حين كان مجرد ذكر الاسم مغامرة.

في واحدة من أكثر لحظات مساره جرأة، أعلن محمد بنسعيد آيت إيدر معارضته الصريحة لقرار جباية أموال المغاربة لبناء مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء.

لم يكن اعتراضه على المسجد كرمز ديني، بل على الطريقة: فرض الاقتطاعات على المواطنين، بمن فيهم الفقراء وذوو الدخل المحدود، في سياق اجتماعي هش، ودون نقاش عمومي أو اختيار حر.

غضب بنسعيد لأن الدين، في نظره، لا يُبنى بالإكراه، ولأن الوطنية لا تُقاس بحجم المساهمة المفروضة، ولأن الدولة لا يحق لها أن تختبر ولاء الناس عبر جيوبهم.

كان موقفه صادما في زمن الصمت، ومكلفا سياسيا في مناخ لا يتسامح مع الاختلاف، لكنه اختار أن يقول “لا” حيث قال كثيرون “نعم” خوفًا أو مجاملة.

بذلك قدم درسا آخر في النضال الديمقراطي: الدفاع عن كرامة المواطن حتى داخل القضايا التي تُحاط بهالة القداسة.

الراديكالي بدون تهور والوحدوي بدون تلميع

كان راديكاليا بلا تهور، وحدويا بلا تمييع. ساهم في تأسيس الكتلة الديمقراطية سنة 1992، إيمانا بأن التغيير لا تصنعه الجزر المعزولة،  وحين عصفت الانشقاقات بحزبه سنة 1996، لم يتحول إلى حارس أطلال، بل واصل توسيع أفق اليسار، منخرطا في مسار الاندماج الذي أفضى إلى تأسيس حزب اليسار الاشتراكي الموحد سنة 2002.

وحين خرج شباب 20 فبراير إلى الشارع، كان محمد بنسعيد آيت إيدر هناك، بلا تردد، بلا حسابات عمر أو رمزية. ناصرهم، وانخرط في حراكهم، لأنه كان يرى فيهم امتدادا طبيعيا لكل المقاومات التي آمن بها. لم يقل يوما “زمانكم غير زماننا”، بل قال بسلوكه: الزمن واحد، ما دام الظلم واحدا.

كان عابر أجيال النضال، كلما أصاب الوهن جيلا، كان هو الجسر، يسر إلى الجيل الجديد، داعما، مشجعا، بلا وصاية. لذلك استحق أن يُوصف بأنه منارة كل المقاومات: مقاومة الاستعمار، الجهل، التسلط، الاستبداد، الانبطاح، الإغراءات، بلقنة السياسة، التطبيع، العولمة المتوحشة، وحتى مقاومة الشيخوخة نفسها، بشموخ وإباء.

رجل معرفة وذاكرة قارئا نهما حارسا لمكتبته كريما بالمعلومة

إلى جانب النضال، كان رجل معرفة وذاكرة. قارئا نهما، حارسا لمكتبته، كريما بالمعلومة، شديد الحرص على التوثيق. ترك ستة كتب تشكل منجما للباحثين، واعتنى بالأرشيف كمن يحمي روح الوطن من النسيان. كتب كثيرا عن القضايا، وقليلا جدا عن نفسه، نكرانا للذات، وتواضعا نادرا في زمن تضخم الأنا.

في صباح 6 فبراير 2024، ترجل محمد بنسعيد آيت إيدر بهدوء، عن عمر ناهز 98 سنة، بالمستشفى العسكري بالرباط. وفي 7 فبراير، وُوري الثرى بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، في موكب حاشد، يليق برجل صار ملكًا للذاكرة الجماعية. قال عنه اليوسفي: فقدنا واحدًا من رموز اليسار المغربي، وقال عنه رفاقه: رحل المجاهد القائد، لكن الحقيقة الأعمق أنه لم يرحل تمامًا.

فاجأنا محمد بنسعيد آيت إيدر لا لأنه غير مواقفه بل لأنه لم يغيّر معدنه


حين قررت منظمة 23 مارس الانتقال من السرية إلى الشرعية، كان كثيرون يخشون — وبحق — أن تُفسد الشرعية نخب اليسار، وأن تتحول المؤسسات من أدوات نضال إلى أدوات تدجين. غير أن بنسعيد اختار طريقا آخر: أن يدخل الشرعية دون أن تدخل فيه، وأن يشتغل داخل المؤسسات دون أن تشتغل هي على تغيير أصله.

جسد، بسلوكه اليومي لا بشعاراته، معنى النضال الديمقراطي غير الملوث: ديمقراطية تُمارس بوصفها امتدادا للمقاومة، لا قطيعة معها؛ ومؤسسات تُستعمل لكشف المسكوت عنه لا لتزيينه؛ وشرعية لا تُستثمر للترقي الشخصي بل لتوسيع أفق الحرية والكرامة.

لم تُفسده البرلمانات، ولم تُغره المناصب، ولم تُهذبه البروتوكولات. ظل هو نفسه: مقاوما حين كانت المقاومة سرية، وديمقراطيا حين صار النضال علنيا، وفي الحالتين وفيا للفكرة، صلبا في القناعات، بسيطا في السلوك.

بهذا المعنى، لم يكن انتقاله من السرية إلى الشرعية انتقالا سياسيا فقط، بل امتحانا أخلاقيا نجح فيه، مقدما درسا نادرا:
أن الاشتغال داخل المؤسسات ممكن… دون أن يتغير المعدن، ودون أن يُمس الأصل.

بأحد المعاني كان يقدم بنسعيد خيارات أخرى مختلفة لما انتهت له كل المقاربات الواقعية التي انتهت لها قراءات رموز من مثل عمر بن جلون وعبدالرحيم بوعبيد، وقبلهما البرنامج المرحلي لمنظمة 23 مارس المغربية،  وغيرهم كقراءة واقعية لاستراتيجية النضال الديمقراطي.

ترك إرثًا هو رصيد وطن، ووصية مفتوحة للأجيال:
أن يكون الحلم أكبر من التنظيم،
وأن تكون الديمقراطية أوسع من اللحظة،
وأن يظل المغرب، في عمقه المغاربي والإنساني، مشروع نهضة لا يتوقف.

لروحه السكينة، ولذكره الخلود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى