
أعاد شبح الجراد الصحراوي ليحوم فوق الأجواء المغربية، بعدما تم رصد أسراب منه خلال الأسابيع الماضية في عدد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، قبل أن تؤكد تقارير دولية اقترابه من الحدود الجنوبية للمملكة.
وبينما تم التقليل في وقت سابق من حجم الخطر، جاءت مستجدات الأسبوع الأخير لتعيد الملف إلى واجهة القلق، بعد تسجيل وجوده في مناطق صحراوية مغربية، ثم اجتياحه صباح اليوم مدينة العيون، وسط مخاوف من تمدده شمالا بفعل توفر الغطاء النباتي بعد التساقطات المطرية الأخيرة.
نشرة “الفاو” دقت ناقوس الخطر
النشرة رقم 568 الصادرة في 5 فبراير 2026 عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، سجلت وصول مجموعات من الجراد الصحراوي إلى مناطق قريبة من طانطان، محذرة من ظروف بيئية ملائمة لتكاثره وانتشاره، خاصة مع تحسن الرطوبة ونمو الغطاء الأخضر بعد الأمطار.
هذه المعطيات الدولية لم تكن معزولة، بل انسجمت مع ما تم تداوله محليا من رصد ميداني لأسراب متفرقة في الأقاليم الجنوبية، قبل أن تتأكد المخاوف باجتياحها أحياء بمدينة العيون، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات المواجهة المكلفة مع هذه الآفة العابرة للحدود.
صمت مركز محاربة الجراد يثير التساؤلات
في مقابل التطورات المتسارعة، يلاحظ متتبعون حالة من الصمت الرسمي من طرف المركز الوطني لمكافحة الجراد، دون بلاغات توضيحية دقيقة حول حجم الانتشار، أو خريطة التدخلات الاستباقية، أو مستوى الجاهزية الميدانية.
هذا الصمت يطرح أسئلة مشروعة حول مدى تفعيل آليات الرصد المبكر، خاصة وأن التجارب السابقة أبانت أن عامل السرعة في التدخل هو المحدد الأساسي لاحتواء الأسراب قبل تحولها إلى موجات اجتياح واسعة.
الداخلية ترد على سؤال برلماني
في سياق متصل، كشفت وزارة الداخلية، في جواب كتابي على سؤال برلماني، أن المركز الوطني لمكافحة الجراد قام بعدة إجراءات تحضيرية، شملت تعبئة الموارد البشرية من أطر وتقنيي وزارة الفلاحة، والاستعانة بطيارين من الدرك الملكي، وأطباء من وزارة الصحة، إلى جانب تنظيم دورات تكوينية، وصيانة العربات والمعدات، واقتناء المبيدات الضرورية.
غير أن هذا الجواب، وإن عكس وجود استعداد نظري، لا يبدد مخاوف الفلاحين والساكنة، الذين ينتظرون إجراءات ميدانية واضحة وتواصلا رسميا شفافا يحدد حجم الخطر بدقة، ويطمئن الرأي العام بشأن خطة المواجهة.
الغطاء الأخضر… نعمة تتحول إلى عامل جذب
التساقطات المطرية الأخيرة التي عمت عددا من جهات المملكة، أنعشت الآمال بموسم فلاحي واعد، غير أنها في المقابل وفرت بيئة مثالية لتغذية وتكاثر الجراد الصحراوي، الذي يتحول في ظرف وجيز من مجموعات متناثرة إلى أسراب قادرة على قطع مئات الكيلومترات يوميا.
ومع اقتراب فصل الربيع، تتزايد احتمالات تمدد الأسراب نحو مناطق أكثر شمالا، ما قد يهدد المحاصيل الزراعية والمراعي، ويضع المنظومة الفلاحية أمام اختبار جديد، في ظرفية اقتصادية ومناخية دقيقة.
بين الطمأنة والحذر
يبقى السؤال المطروح اليوم: هل نحن أمام موجة عابرة يمكن تطويقها بسرعة، أم بداية دورة اجتياح أوسع تستدعي تعبئة وطنية شاملة؟
التجارب الدولية تؤكد أن الجراد الصحراوي ليس مجرد حشرة عابرة، بل ظاهرة بيئية مرتبطة بالتغيرات المناخية وحركية الرياح وتوفر الغذاء، وأن التعامل معه يقتضي يقظة دائمة وتنسيقا إقليميا مستمرا.
وفي انتظار توضيحات رسمية أدق، يبقى الرهان معقودا على سرعة التحرك الميداني وفعالية التدخل الاستباقي، حتى لا يتحول الغطاء الأخضر الذي بشرت به الأمطار إلى مائدة مفتوحة لأسراب لا تعترف بالحدود.




