الرئسيةرياضة

مونديال 2026.. مدربون برواتب قياسية

لم يعد النجاح في كرة القدم الحديثة رهيناً فقط بامتلاك نجوم داخل المستطيل الأخضر، بل أصبح المدرب نفسه أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تتنافس عليها الاتحادات الوطنية، ومع اقتراب انطلاق كأس العالم 2026، تكشف قائمة المدربين الأعلى أجراً عن حجم التحولات التي شهدتها اللعبة، حيث باتت الرواتب السنوية لبعض المدربين توازي ميزانيات أندية كاملة في دوريات محترفة حول العالم.

كأس

وتعكس الأرقام الصادرة عن موقع “Salary Leaks” واقعاً جديداً أصبحت فيه المنتخبات الوطنية تتعامل مع التدريب باعتباره استثماراً طويل الأمد وليس مجرد وظيفة تقنية، كما تكشف هذه المعطيات عن فجوة كبيرة بين الدول القادرة على ضخ ملايين الدولارات في أجهزتها الفنية وتلك التي تعتمد على موارد مالية أكثر تواضعاً.

وفي الوقت الذي تهيمن فيه منتخبات إنجلترا والبرازيل وألمانيا والولايات المتحدة على قائمة الإنفاق الأعلى، يبرز الحضور المفاجئ لأوزبكستان، بينما يغيب مدربو دول مستضيفة للمونديال مثل كندا والمكسيك، وكذلك لويس دي لا فوينتي الذي قاد إسبانيا إلى التتويج الأوروبي.

كرة القدم.. صناعة تتجاوز 270 مليار دولار

تشير تقديرات مؤسسات اقتصادية دولية إلى أن صناعة كرة القدم أصبحت تساهم بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً في الاقتصاد العالمي، فيما تتوقع تقارير مرتبطة بالاتحاد الدولي لكرة القدم أن يحقق مونديال 2026 عائدات قياسية بفضل توسيع عدد المنتخبات إلى 48 منتخباً وارتفاع عدد المباريات والجماهير.

وفي هذا السياق، لم تعد رواتب المدربين تُقاس فقط بنتائجهم الرياضية، بل أصبحت مرتبطة بالقيمة التسويقية للمنتخب وقدرته على جذب الرعاة وحقوق البث والاستثمارات، ولذلك بات التعاقد مع مدرب عالمي يشبه إلى حد بعيد التعاقد مع مدير تنفيذي لشركة متعددة الجنسيات.

من كومان إلى ناغلسمان.. خبرات وأفكار بملايين الدولارات

يحضر في المرتبة العاشرة رونالد كومان مع المنتخب الهولندي براتب يبلغ 3.5 ملايين دولار سنوياً، وهو رقم يعكس استمرار ثقة الاتحاد الهولندي في خبرته رغم الجدل المستمر حول هوية “الكرة الشاملة” التي تشكل جزءاً من الإرث الكروي للبلاد.

ويتقاسم معه الراتب ذاته مارسيلو بيلسا مدرب أوروغواي، الذي يواصل فرض شخصيته الخاصة على المنتخبات التي يدربها، بينما يحتفظ ليونيل سكالوني بالمركز الثامن رغم أنه قاد الأرجنتين إلى سلسلة من الإنجازات التاريخية خلال السنوات الأخيرة.

أما الفرنسي ديدييه ديشامب، الذي صنع مجداً مزدوجاً كلاعب ومدرب، فيحصل على 4.44 ملايين دولار، في حين يتقاضى الإسباني روبرتو مارتينيز مع البرتغال 4.7 ملايين دولار بعد نجاحه في قيادة المنتخب للتتويج بدوري الأمم الأوروبية.

وفي مفاجأة لافتة، يظهر فابيو كانافارو في المركز الخامس بالراتب نفسه تقريباً، بعدما قررت أوزبكستان الاستثمار في اسم عالمي كبير عقب تحقيق أول تأهل في تاريخها إلى كأس العالم، في خطوة تعكس رغبة الدولة الآسيوية في تعزيز حضورها الرياضي والدبلوماسي على الساحة الدولية.

ويأتي الألماني الشاب جوليان ناغلسمان في المركز الرابع براتب يصل إلى 5.64 ملايين دولار، ضمن مشروع طويل المدى لإعادة بناء المنتخب الألماني واستعادة مكانته بين القوى الكبرى في اللعبة.

الولايات المتحدة وإنجلترا.. استثمار رياضي بطابع سياسي واقتصادي

في المركز الثالث يحل الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، الذي يتقاضى 6.08 ملايين دولار سنوياً مع المنتخب الأمريكي، ويعكس هذا الرقم حجم الرهان الأمريكي على استثمار استضافة كأس العالم في تطوير كرة القدم داخلياً وتعزيز مكانة الولايات المتحدة داخل منظومة اللعبة العالمية.

أما إنجلترا، التي ما تزال تبحث عن لقب عالمي غاب منذ عام 1966، فقد وضعت ثقتها في الألماني توماس توخيل مقابل 6.79 ملايين دولار سنوياً، ويعكس هذا الاختيار استعداد الاتحاد الإنجليزي لإنفاق مبالغ ضخمة أملاً في إنهاء عقود من الإخفاقات في البطولات الكبرى.

أنشيلوتي.. الرجل الذي كسر القواعد

يتربع الإيطالي كارلو أنشيلوتي على عرش المدربين الأعلى أجراً في مونديال 2026 براتب سنوي يصل إلى 11.11 ملايين دولار، وهو رقم يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف ما يتقاضاه عدد من المدربين الموجودين ضمن القائمة نفسها.

ولا يتعلق الأمر فقط بسجل استثنائي يتضمن خمسة ألقاب في دوري أبطال أوروبا، بل أيضاً بمشروع استراتيجي يقوده الاتحاد البرازيلي لإعادة “السيليساو” إلى قمة كرة القدم العالمية بعد سنوات من خيبات الأمل.

ويمثل تعيين أنشيلوتي حدثاً تاريخياً في حد ذاته، إذ تراهن البرازيل للمرة الأولى بهذا الحجم على مدرب أجنبي لقيادة مشروع يمتد حتى مونديال 2030، في خطوة تعكس تغيراً عميقاً في الثقافة الكروية البرازيلية التقليدية التي كانت تفضل الاعتماد على المدرب المحلي.

الأجور المرتفعة لا تضمن الألقاب

ورغم الأرقام الضخمة التي تكشفها القائمة، فإن تاريخ كأس العالم يثبت أن الرواتب المرتفعة ليست ضمانة للفوز.. فقد شهدت نسخ سابقة خروج منتخبات أنفقت ملايين الدولارات على أجهزتها الفنية من الأدوار الأولى، بينما نجحت منتخبات أقل إنفاقاً في صناعة المفاجآت.

ومع اقتراب انطلاق مونديال 2026، ستتحول هذه الرواتب إلى معيار إضافي للمحاسبة الجماهيرية والإعلامية، حيث لن يُنظر إلى المدربين باعتبارهم مجرد قادة فنيين، بل كاستثمارات ضخمة مطالبة بتحقيق عائد رياضي يبرر حجم الأموال التي ضُخت فيها.

وفي النهاية، يبدو أن كأس العالم المقبلة لن تكون فقط ساحة للتنافس بين اللاعبين داخل الملعب، بل أيضاً اختباراً حقيقياً لقيمة المدربين الذين تحولت عقودهم إلى مؤشرات على القوة الاقتصادية والطموحات السياسية والرياضية للدول التي يمثلونها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى