اقتصادالرئسية

التضخم يهزم رهانات الملاذ الآمن للذهب

في تطور لافت يعكس حجم الارتباك الذي يطبع الأسواق العالمية، تتجه أسعار الذهب نحو تسجيل واحدة من أكبر خسائرها الأسبوعية خلال الفترة الأخيرة، رغم استمرار بؤر التوتر الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وهو ما يكشف عن تحول مهم في سلوك المستثمرين الذين باتوا يمنحون الأولوية لمؤشرات السياسة النقدية الأمريكية أكثر من رهانات المخاطر السياسية التي كانت تقليديا تدعم المعدن النفيس.

الذهب

فخلال تعاملات الجمعة، تراجع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.6% ليستقر عند 4445.51 دولارا للأوقية، بينما انخفضت العقود الآجلة الأمريكية تسليم غشت بنسبة 0.7% إلى 4471.70 دولارا، لتصل خسائره الأسبوعية إلى نحو 2%.

تعثر مساعي السلام يعمق الغموض الإقليمي

جاء هذا التراجع في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدا جديدا للتوترات السياسية والعسكرية، بعدما اصطدمت المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تهدئة الأوضاع في لبنان بعقبات جديدة، عقب رفض حزب الله لمقترح وقف إطلاق النار، بالتزامن مع تأكيد إسرائيل استمرار وجودها العسكري في الأراضي اللبنانية.

و اعتبرت هذه التطورات ضربة جديدة للجهود الأمريكية الرامية إلى احتواء النزاع وفتح الطريق أمام تفاهمات أوسع مع إيران، غير أن الأسواق لم تتعامل مع هذه المستجدات بالمنطق التقليدي الذي يدفع المستثمرين نحو الذهب باعتباره ملاذا آمنا، بل بدا أن المخاوف المرتبطة بأسعار الفائدة والتضخم كانت أكثر تأثيرا في توجيه حركة رؤوس الأموال.

الفيدرالي الأمريكي يعيد رسم قواعد اللعبة

يتمثل العامل الحاسم وراء تراجع الذهب في تنامي الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة في الولايات المتحدة.. حيث عززت التصريحات الأخيرة لمسؤولي الاحتياطي الفيدرالي توقعات إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما اللجوء إلى زيادات جديدة إذا استمر التضخم فوق المستويات المستهدفة.

وأكد جيفري شميد، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في كانساس، أن البنك المركزي لا يزال يوازن بين خيار التريث أو رفع الفائدة مجددا لمواجهة الضغوط التضخمية، بينما شددت ماري دالي، رئيسة فرع سان فرانسيسكو، على أن القرارات المقبلة ستبقى رهينة البيانات الاقتصادية الواردة.

وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة بالنظر إلى أن الفائدة المرتفعة تجعل السندات والأدوات المالية المدرة للعائد أكثر جاذبية مقارنة بالذهب الذي لا يحقق دخلا دوريا للمستثمرين.

تقرير الوظائف.. المؤشر الذي تنتظره الأسواق

وفي ذات السياق؛ تتجه أنظار المستثمرين حاليا نحو تقرير الوظائف الأمريكية خارج القطاع الزراعي لشهر ماي، باعتباره أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الاحتياطي الفيدرالي لتقييم قوة الاقتصاد وسوق الشغل.

وتشير التقديرات الحالية إلى أن الأسواق تمنح احتمالاً يصل إلى 51% لرفع أسعار الفائدة قبل نهاية السنة، ما يجعل أي أرقام قوية بشأن التوظيف عاملا إضافيا قد يدفع الذهب إلى مزيد من التراجع، بينما قد تمنح البيانات الضعيفة متنفسا للمعدن الأصفر.

فتور الطلب الآسيوي يضاعف الضغوط

إلى جانب العوامل المالية، تواجه أسعار الذهب تحديا آخر يتمثل في تباطؤ الطلب الفعلي داخل أكبر الأسواق الاستهلاكية عالميا، ففي الهند، ثاني أكبر مستهلك للذهب، تراجع النشاط الشرائي بفعل التقلبات السعرية الحادة، فيما أظهرت السوق الصينية، التي تتصدر الاستهلاك العالمي، انخفاضا في العلاوات السعرية بما يعكس فتورا نسبيا في الطلب.

وامتدت موجة التراجع إلى باقي المعادن النفيسة، حيث خسرت الفضة 2% لتصل إلى 72.36 دولارا للأوقية، فيما انخفض البلاتين بنسبة 1% إلى 1880.40 دولارا، والبلاديوم بنسبة 1.7% إلى 1298.49 دولارا.

وتعكس هذه الخسائر الجماعية حقيقة اقتصادية جديدة مفادها أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر حساسية لقرارات البنوك المركزية من تأثيرات الأزمات الجيوسياسية، في مرحلة تتقاطع فيها رهانات التضخم والفائدة مع اضطرابات السياسة الدولية، ما يجعل مستقبل الذهب رهينا بقرارات واشنطن أكثر من تطورات ساحات النزاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى