
ليلة لا تنتهي..غزة التي تكتب موتها
يقدّم الروائي الفلسطيني يسري الغول في كتابه «الليلة الأخيرة في غزة»، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 2026، نصاً يتجاوز حدود اليوميات ليغدو شهادة أدبية مكتوبة على تخوم الفناء. ليست هذه الصفحات سرداً لأحداث عابرة، بل سيرة للموت وهو يتجوّل في الأزقة، وسيرة للنجاة وهي تتعثر بين ركام البيوت وطوابير الماء والخبز.
يتحول اليوم العادي إلى معركة بقاء
يكتب الغول من قلب العتمة، حيث يتحول اليوم العادي إلى معركة بقاء: البحث عن حطب، عن غالون ماء، عن كسرة خبز تحفظ ما تبقى من كرامة.
ومن رحلة إلى مستشفى المعمداني لرعاية والده المبتور القدم، تنفتح المدينة على صورتها المكسورة؛ تختفي ملامحها القديمة ويتبدد صوت الحياة، ليعلو أنين الخراب.
الرمز في هذا العمل ليس زينة بل جرحٌ مفتوح: الطحين «موت أبيض» يُقنص دونه الجوعى، و«الزنانة» قدرٌ يحوم فوق الرؤوس، ودفاتر المتفوقين وقودٌ لنار الطهي، في استعارة قاسية لاحتراق المستقبل كي يستمر الحاضر.
هكذا تنقلب المعرفة إلى رماد، ويغدو البقاء عبئاً أخلاقياً يثقل قلب الناجي.
سردياً، يمزج الغول بين الشهادة الحيّة والتأمل الفكري، يكسر الزمن، ويستدعي مشاهد من العالم البعيد ليقارنها بجغرافيا الحصار، فيتحول النص إلى محاكمة أخلاقية لضميرٍ كوني يشاهد ولا يتدخل. الكتابة هنا ليست ترفاً بل فعل مقاومة، واحتجاجاً على ذاكرة انتقائية تستهلك الألم كخبر عابر.
ومع ما يطغى على العمل من سوادٍ كثيف، فإن عنوانه المراوغ يفتح أفقاً فلسفياً: لا «ليلة أخيرة» في غزة، لأن الوجع ممتد، ولأن النهاية أكبر من أن تُحتوى في سرد. بذلك يغدو الكتاب مرثية لمدينة، ومرآة لانكسار قيمٍ إنسانية كبرى، ونصاً يثبت أن الكلمة، حين تُكتب بالدم، تصبح الشاهد الذي لا يموت.




