
لا يأتي الثامن من مارس كل عام كموعد احتفالي عابر تُعلّق فيه الشعارات البنفسجية وتُلقى الخطب الرسمية عن “تمكين المرأة”، بل يعود كتذكير ثقيل بتاريخ طويل من الصراع الاجتماعي.. فهذا اليوم الذي وُلد من رحم احتجاجات عاملات المصانع في بدايات القرن العشرين لم يكن يومًا احتفالًا رمزيًا بقدر ما كان تعبيرًا عن معركة شرسة خاضتها النساء ضد الاستغلال الاقتصادي والهيمنة الذكورية مرة من الاب و مرة من الأخ أو الزوج….
،ومنذ ذلك الحين ظل هذا التاريخ أشبه بمرآة تعكس موقع النساء داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية، حيث يتقاطع الفقر والعمل الهش والتمييز في لوحة واحدة يصعب فصل عناصرها.
اقتصاد هش… والنساء في قلب العاصفة
في السياق المغربي، تبدو المفارقة صارخة بين خطاب “التمكين الاقتصادي للمرأة” وبين واقع الأرقام، حيث تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل نشاط النساء في سوق الشغل لا يتجاوز 19%، وهو من بين الأضعف عالميًا، بينما تشكل النساء نسبة كبيرة من العمالة غير المهيكلة التي تقدر بحوالي 77% من مجموع المشتغلين في هذا القطاع، كالزراعة والصناعات التحويلية والخدمات منخفضة الأجر، تعمل آلاف النساء في ظروف هشّة، غالبًا دون عقود أو حماية اجتماعية.. ، وهذا الواقع يتفاقم مع موجات الغلاء التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة، فحسب الأرقام الرسمية، تجاوز معدل التضخم في المغرب 6% خلال 2022 و2023، وهو مستوى لم تشهده البلاد منذ عقود، ومع تآكل القدرة الشرائية، تصبح النساء، خاصة العاملات بأجور متدنية أو ربات الأسر في الأحياء الشعبية، أول من يدفع فاتورة الأزمة الاقتصادية، إذ يتحملن عبء تدبير ميزانيات أسرية تتقلص باستمرار.
خطاب الإصلاح وحدود الواقع
رغم ما يفيض به الخطاب الرسمي بلغة براقة عن “التمكين الاقتصادي” و“المقاربة التشاركية”، يكشف الواقع عن فجوة عميقة بين النصوص والممارسة، فبينما تتباهى السياسات العمومية بمؤشرات التقدم، لا تزال الفوارق قائمة في الأجور وفرص العمل، حيث تشير تقارير دولية إلى أن الفجوة في الأجور بين الرجال والنساء في المغرب تتراوح بين 15 و25 في المئة في بعض القطاعات.
أما في المجال الاجتماعي، فالمعضلة أعمق من مجرد أرقام، إذ تستمر النساء في تحمل الجزء الأكبر من العمل المنزلي غير المؤدى عنه، والذي تقدره دراسات اقتصادية بما يفوق ست ساعات يوميًا في المتوسط، مقابل أقل من ساعة واحدة للرجال.. إنها مفارقة اقتصاد خفي يقوم على جهد النساء لكنه لا يظهر في حسابات الناتج الداخلي الخام.
بين المحافظة الاجتماعية وضيق المجال العام
يضاف إلى هذه التحديات سياق اجتماعي وسياسي معقد، حيث لا تزال المرجعيات المحافظة حاضرة بقوة في تشكيل نظرة المجتمع إلى دور النساء، وفي الوقت ذاته، تواجه الحركات النسائية والحقوقية بشكل عام تضييقًا متزايدًا، ما يجعل الدفاع عن الحقوق في كثير من الأحيان معركة شاقة و محفوفة المخاطر.. فكثيرا ما تتعرض المناضلات لحملات تشهير وضغط اجتماعي يهدف إلى إضعاف مطالبهن وعزلها عن محيطها الشعبي، وغالبًا ما يُعاد تقديم قضية المساواة باعتبارها مطلبًا نخبويًا، في حين أن جوهرها يرتبط مباشرة بتحسين شروط العيش والعمل لملايين النساء الكادحات..
تضع هذه المعادلة المناضلات أمام ضغط مزدوج: ضغط اقتصادي ناتج عن هشاشة العمل، وضغط اجتماعي يسعى إلى إعادة النساء إلى أدوار تقليدية محددة سلفًا.
التحرر كمعركة اجتماعية شاملة
إن التجربة التاريخية توضح أن حقوق النساء لم تكن يومًا نتيجة حسن نية السلطات، بل ثمرة تنظيم ونضال طويلين.. لذلك يبرز اليوم سؤال التنظيم المستقل للنساء العاملات والكادحات، القادر على تحويل المعاناة اليومية إلى قوة اجتماعية ضاغطة.
فالمساواة الحقيقية لا تتحقق بمجرد حضور رمزي للنساء في المؤسسات (حضور رمزي في مراكز القرار يقابله غياب فعلي للعدالة الاجتماعية في حياة الأغلبية)، بل عبر تغيير موازين القوة داخل المجتمع وسوق العمل، حينها فقط يمكن أن يتحول الثامن من مارس من مناسبة احتفالية عابرة إلى محطة تذكّر بأن العدالة الاجتماعية تبدأ من الاعتراف بقيمة العمل الذي تقوم به النساء، وبحقهن في حياة كريمة داخل مجتمع أكثر إنصافًا.




