
الحرب على إيران واختبار الدور الصيني
مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الكبرى في هذا الصراع، وفي مقدمتها الصين.
فبكين تُعد الشريك الدولي الأبرز لطهران على الصعيد الاقتصادي، كما أن العلاقات بين البلدين شهدت توسعاً ملحوظاً خلال العقد الأخير، غير أن السلوك الصيني خلال الأزمات الإقليمية، وخصوصاً في الشرق الأوسط، يكشف عن نمط حذر من الانخراط المباشر في الصراعات العسكرية.
من هذا المنطلق، يطرح تطور الحرب الحالية سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للصين أن تتحول من شريك اقتصادي إلى داعم استراتيجي فعلي لإيران في لحظة تهديد وجودي؟ أم أن اعتبارات المصلحة الاقتصادية والتوازنات الدولية ستجعل بكين تواصل سياسة الحياد الحذر؟
أولاً: طبيعة الشراكة الصينية–الإيرانية

شهدت العلاقات الصينية الإيرانية خلال السنوات الأخيرة تطوراً ملحوظاً، تُوج بتوقيع اتفاقية شراكة استراتيجية طويلة الأمد عام 2021 تمتد لخمسة وعشرين عاماً، وتشمل هذه الاتفاقية مجالات واسعة من التعاون الاقتصادي والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
اقتصادياً، تمثل الصين الشريك التجاري الأول لإيران، كما تُعد أكبر مستورد للنفط الإيراني في ظل العقوبات الغربية، وقد وفرت السوق الصينية لطهران منفذاً أساسياً لتصدير النفط، ما ساهم في تخفيف آثار العزلة الاقتصادية المفروضة عليها.
إضافة إلى ذلك، أسهمت بكين في دمج إيران تدريجياً في بعض الأطر الاقتصادية والسياسية الدولية، مثل منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، وهو ما ساعد طهران على كسر جزء من عزلتها الدولية.
لكن هذه العلاقة، رغم أهميتها، تعاني من خلل هيكلي واضح في ميزان الاعتماد، فإيران تعتمد على الصين اقتصادياً وتجارياً بدرجة كبيرة، في حين لا تمثل إيران سوى نسبة ضئيلة من إجمالي التجارة الصينية العالمية، هذا التفاوت يمنح بكين هامشاً واسعاً للمناورة في علاقاتها مع طهران.
ثانياً: التعاون العسكري والتكنولوجي
لا يقتصر التعاون بين البلدين على الاقتصاد والطاقة، بل يمتد أيضاً إلى مجالات أمنية وتقنية، فقد شاركت شركات صينية في تطوير أنظمة المراقبة الرقمية داخل إيران، كما ساهمت في نقل بعض التقنيات المتعلقة بصناعة الطائرات المسيّرة.
ويشير عدد من التقارير إلى أن الصين لعبت دوراً في تزويد إيران بمعدات دفاع جوي وأنظمة تكنولوجية حساسة خلال السنوات الماضية، غير أن هذا التعاون ظل محدوداً نسبياً ومحصوراً في إطار نقل التكنولوجيا أو بيع المعدات، دون أن يصل إلى مستوى التحالف العسكري المباشر.
بعبارة أخرى، تميل الصين إلى تقديم دعم تقني وعسكري غير مباشر، مع تجنب الالتزامات الأمنية الصريحة التي قد تجرها إلى مواجهة مع قوى كبرى.
ثالثاً: محددات السلوك الصيني في زمن الحرب
لفهم الموقف الصيني من الحرب الدائرة، لا بد من تحليل مجموعة من العوامل التي تشكل محددات رئيسية للسياسة الخارجية لبكين.
1. أولوية الاستقرار الاقتصادي
تقوم الاستراتيجية الصينية على الحفاظ على بيئة دولية مستقرة تسمح باستمرار النمو الاقتصادي، لذلك تتجنب بكين عادة الانخراط في صراعات قد تؤدي إلى فرض عقوبات عليها أو تعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
إن أي دعم عسكري مباشر لإيران قد يعرّض الصين لعقوبات غربية قاسية، وهو ما قد ينعكس سلباً على اقتصادها الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة العالمية.
2. أمن الطاقة
تُعد منطقة الخليج أحد أهم مصادر الطاقة بالنسبة للصين، حيث تمر نسبة كبيرة من وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز، ومن ثم فإن المصلحة الصينية الأساسية تكمن في الحفاظ على استقرار المنطقة وضمان استمرار تدفق الطاقة.
هذا العامل يجعل بكين أكثر ميلاً إلى دعم التهدئة الدبلوماسية بدلاً من الانحياز العسكري لطرف في الصراع.
3. التوازن في العلاقات الإقليمية
على الرغم من علاقاتها الوثيقة مع إيران، تمتلك الصين أيضاً شراكات اقتصادية واستثمارية ضخمة مع دول الخليج العربية، بل إن حجم تجارتها مع هذه الدول يفوق بكثير حجم تجارتها مع إيران.
لذلك تحرص بكين على الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها مع مختلف أطراف المنطقة، وتجنب اتخاذ مواقف قد تُفسر على أنها انحياز كامل لطهران.
4. إدارة التنافس مع الولايات المتحدة
يشكل التنافس الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الإطار الأوسع الذي تتحرك ضمنه السياسة الخارجية الصينية، ورغم تصاعد التوتر بين القوتين، فإن بكين لا تزال حريصة على تجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ومن ثم فإن التدخل العسكري إلى جانب إيران في حرب تشارك فيها الولايات المتحدة قد يمثل مخاطرة استراتيجية كبيرة لا تتوافق مع الحسابات الصينية طويلة المدى.
رابعاً: الحسابات الاستراتيجية لبكين
تشير بعض التحليلات إلى أن الصين قد ترى في استمرار الضغوط على إيران فرصة لتعزيز نفوذها في العلاقة الثنائية، فكلما ازداد اعتماد طهران على الدعم الاقتصادي والتكنولوجي الصيني، زادت قدرة بكين على توجيه هذه العلاقة بما يخدم مصالحها.
وفي هذا السياق، قد لا تنظر الصين بالضرورة إلى الضربات العسكرية المحدودة ضد إيران باعتبارها تهديداً مباشراً لمصالحها، طالما أنها لا تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني أو إلى فوضى إقليمية واسعة.
بعبارة أخرى، قد تفضل بكين بقاء إيران قوية بما يكفي للحفاظ على استقلالها السياسي، ولكن ضعيفة بما يكفي للحفاظ على اعتمادها على الصين.
خامساً: سيناريوهات الدور الصيني المحتمل
في ضوء المعطيات السابقة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للدور الصيني في الحرب الحالية:
السيناريو الأول: الدعم الدبلوماسي والاقتصادي
وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث تواصل الصين إدانة التصعيد والدعوة إلى الحلول السياسية، مع استمرار التعاون الاقتصادي مع إيران.
السيناريو الثاني: الدعم العسكري غير المباشر
قد يشمل هذا السيناريو تزويد إيران ببعض الأنظمة الدفاعية أو التقنيات العسكرية، لكن دون إعلان رسمي أو انخراط مباشر في العمليات العسكرية.
السيناريو الثالث: التدخل الاستراتيجي المباشر
وهو احتمال ضعيف للغاية، نظراً للتكاليف السياسية والعسكرية التي قد تترتب عليه، ولأنه يتعارض مع العقيدة الاستراتيجية الصينية الحالية.
الخلاصة الاستراتيجية
تشير قراءة السلوك الصيني إلى أن بكين لا تنظر إلى إيران باعتبارها حليفاً أمنياً يستدعي الدفاع العسكري المباشر، بل شريكاً مهماً في شبكة مصالح اقتصادية أوسع.
لذلك، فإن الدور الصيني في الحرب سيظل على الأرجح محدوداً ضمن إطار الدعم السياسي والاقتصادي، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر.
في الوقت نفسه، تسعى الصين إلى تحقيق توازن دقيق بين عدة أهداف:
الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة.
تجنب التصعيد مع الولايات المتحدة.
تعزيز نفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط.
والإبقاء على إيران ضمن دائرة نفوذها دون تحمل أعباء الدفاع عنها عسكرياً.
وبهذا المعنى، فإن الحرب الدائرة لا تختبر فقط قدرة إيران على الصمود، بل تكشف أيضاً حدود الشراكات الدولية القائمة على المصالح الاقتصادية عندما تواجه اختباراً أمنياً حاداً.
المصدر: وكالات وصحافة دولية





