
بلا نهاية واضحة..إيران تقلب معادلة الحرب
تشهد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حالة غير مسبوقة من الغموض الاستراتيجي، رغم التصريحات السياسية المتكررة حول قرب نهايتها…
فبعد أحد عشر يوماً من اندلاعها، لا تزال مآلاتها غير واضحة، سواء من حيث أهدافها النهائية أو توقيت توقفها، في ظل تضارب الروايات الصادرة عن الإدارة الأميركية وتباين التقديرات داخل إسرائيل نفسها.
ففي الوقت الذي صرح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الحرب “اكتملت” وأنها قد تنتهي قريباً، تشير المعطيات الميدانية والتقديرات الأمنية إلى عكس ذلك.
إذ يرى المحلل الأمني في صحيفة يديعوت أحرونوت، رونين بيرغمان، أن أحدا لا يستطيع تحديد موعد نهاية الحرب، لافتا إلى أن التقديرات داخل إسرائيل تتراوح بين احتمال استمرارها لأسابيع إضافية أو انتهائها بشكل مفاجئ بقرار سياسي أحادي.
حرب بلا أهداف واضحة
تعكس التصريحات الصادرة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قدراً كبيراً من القلق إزاء طبيعة هذه الحرب.
فبحسب مصادر مطلعة على التنسيق العسكري مع الولايات المتحدة، تبدو العمليات العسكرية الجارية غير مرتبطة بأهداف استراتيجية محددة بوضوح، وهو أمر نادر في الحروب الكبرى.
ففي العادة، ترتبط نهاية أي حرب بتحقيق أهداف عسكرية واضحة أو التوصل إلى شروط سياسية لوقف إطلاق النار.
اقرأ أيضا…
ترامب يشن حربا على إيران بمعزل عن الحلفاء
غير أن هذه الحرب، كما يصفها أحد المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين، تبدو مختلفة؛ إذ إن قرار استمرارها أو إنهائها قد يتوقف في النهاية على قرار سياسي فردي في واشنطن، أكثر مما يعتمد على معطيات الميدان أو حسابات الجيوش المشاركة.
ويشير هذا الواقع إلى مفارقة لافتة: حرب تشارك فيها جيوش ضخمة، بمئات الطائرات والآلاف من الجنود والضباط، لكن مصيرها النهائي قد يقرره قرار سياسي مفاجئ، ما يجعل مسارها عرضة لتحولات سريعة قد تحول حتى النجاحات العسكرية إلى حالة استنزاف طويلة.
مفاجآت ميدانية غير متوقعة
إلى جانب الغموض السياسي، كشفت الأيام الأولى للحرب عن فجوات واضحة في التقديرات الاستخباراتية الإسرائيلية والأميركية بشأن قدرات إيران.
فقد توقعت إسرائيل، قبل اندلاع الحرب، أن تؤدي الضربات العسكرية إلى اضطرابات داخلية في طهران، غير أن ذلك لم يحدث. كما أن حجم انخراط حزب الله في المواجهة فاق التوقعات الأولية، ما وسّع نطاق الحرب إقليمياً.
ومن بين المفاجآت الأكثر خطورة، لجوء إيران إلى إطلاق صواريخ باتجاه تجمعات سكانية في أكثر من عشر دول، بما في ذلك مواقع في أوروبا، وهو سيناريو لم يكن مطروحاً بجدية في الحسابات العسكرية السابقة.
كما تمكن النظام الإيراني من إدارة انتقال القيادة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي بطريقة منظمة نسبياً، مع انتقال النفوذ إلى نجله مجتبى خامنئي، وهو ما حافظ على تماسك بنية السلطة في لحظة حرجة.
أزمة نووية لم تُحسم
ومن بين القضايا التي أعادت الحرب طرحها بقوة، الملف النووي الإيراني. فبحسب تقديرات أمنية إسرائيلية، لا يزال لدى إيران مخزون يقارب 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة، وهي نسبة قريبة من المستوى المطلوب للاستخدام العسكري.
وتشير هذه التقديرات إلى أن هذا المخزون قد يكون مخفياً داخل منشأة أصفهان النووية، رغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بها جراء ضربات صاروخية أميركية خلال الحرب السابقة. ويعني ذلك أن الهدف المعلن بتدمير البرنامج النووي الإيراني لم يتحقق بالكامل، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى العمليات العسكرية حتى الآن.
تصعيد اقتصادي يهدد العالم
لكن أخطر تداعيات الحرب قد لا تكون عسكرية بقدر ما هي اقتصادية. فقد بدأت آثارها تظهر سريعاً في أسواق الطاقة العالمية، مع تحذيرات من أزمة اقتصادية واسعة النطاق.
فقد صرّح وزير الطاقة القطري سعد شريدة الكعبي بأن دول الخليج قد تضطر إلى إيقاف إنتاج النفط والغاز خلال فترة قصيرة إذا استمر التصعيد، محذراً من احتمال ارتفاع سعر النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود واسع.
وتعزز هذه المخاوف التطورات التي شهدها مضيق هرمز، الذي تمر عبره قرابة 30 في المئة من تجارة النفط البحرية العالمية و20 في المئة من إمدادات الغاز. فقد تمكنت إيران خلال الأيام الأولى من الحرب من فرض ما يشبه الشلل على الملاحة في المضيق، ما أدى إلى اضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية.
كما طالت الهجمات الإيرانية عدداً من المنشآت الحيوية في قطاع الطاقة في المنطقة، بما في ذلك مواقع إنتاج الغاز في قطر، وموانئ تصدير النفط في السعودية والعراق، وخطوط أنابيب في القوقاز، ما أدى إلى توقف جزئي في صادرات النفط والغاز من عدة دول.
حرب خرجت عن حسابات مخططيها
تشير هذه التطورات إلى أن الخطة الأصلية التي وضعتها واشنطن للحرب كانت تقوم على تصور حرب سريعة ومحدودة، تقتصر على توجيه ضربات عسكرية مركزة داخل إيران دون أن تمتد إلى الإقليم أو الأسواق العالمية.
لكن بعد أسبوع واحد فقط من اندلاعها، بدأ يتضح أن الحرب خرجت عن هذا الإطار، واتخذت مساراً أكثر تعقيداً واتساعاً، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي.
اقرأ أيضا….
احتمالات النهاية
في ظل هذا المشهد المتشابك، تبقى سيناريوهات نهاية الحرب مفتوحة على احتمالات متناقضة. فمن جهة، قد تسعى إيران، بعد إعادة ترتيب هياكل قيادتها، إلى تسوية تفاوضية إذا وجدت مؤشرات على استعداد واشنطن لتخفيف سقف مطالبها.
ومن جهة أخرى، يبقى احتمال إعلان مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإنهاء الحرب قائماً، على غرار ما حدث في المواجهة السابقة.
غير أن المؤكد حتى الآن أن هذه الحرب، بما تحمله من تداخل عسكري واقتصادي وجيوسياسي، تمثل واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في النظام الدولي المعاصر، وربما الأكثر خطورة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، نظراً لقدرتها على إعادة تشكيل توازنات الإقليم والاقتصاد العالمي في آن واحد.
المصدر: وكالات وصحافة دولية





