اقتصادالرئسية

طنجة المتوسط.. حين تتحول الأزمات إلى فرص

في زمن ترتجف فيه خرائط التجارة الدولية مع كل توتر جيوسياسي، لم يعد النجاح الاقتصادي يُقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة الدول على اقتناص الفرص وسط الفوضى، من هذا الباب، دخل ميناء طنجة المتوسط سنة 2025 بأرقام لافتة بعدما سجلت مجموعته رقم معاملات صناعي قياسي بلغ 188 مليار درهم، بزيادة %8 مقارنة بالسنة الماضية، في مشهد يكشف أن المغرب لم يعد مجرد متفرج على تحولات العالم، بل بات يسعى للاستفادة منها.

لا يعكس هذا الرقم نشاطا تجاريا عاديا، بل يترجم انتقال المملكة إلى موقع استراتيجي داخل سلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع تصاعد القلق حول مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، حيث يكفي تصريح سياسي متوتر أو مناورة عسكرية عابرة لرفع أسعار التأمين والشحن، وإرباك الأسواق من آسيا إلى أوروبا.

صناعة السيارات.. القاطرة التي لا تتوقف

داخل هذه المنظومة، واصل قطاع السيارات لعب دور المحرك الرئيسي، فقد حقق رقم معاملات بلغ 125 مليار درهم، بنمو سنوي ناهز %6,8، ما يؤكد أن المغرب رسخ مكانته كقاعدة صناعية دولية لصناعة السيارات، مستفيدا من قربه الجغرافي من أوروبا، وكلفة إنتاج تنافسية، وشبكة اتفاقيات تبادل حر جعلت المصنع المغربي أقرب إلى المستهلك الأوروبي من مصانع تبعد آلاف الكيلومترات.

ولم يعد الأمر يتعلق فقط بتجميع السيارات، بل بمنظومة متكاملة تشمل المكونات والأسلاك والأنظمة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، وهو ما يمنح الاقتصاد الوطني قيمة مضافة أكبر ويقلص الارتهان للاستيراد.

ما بعد السيارات.. تنويع ذكي يربك المتشائمين

بعيدا عن هيمنة السيارات، سجلت الأنشطة الصناعية الأخرى، خاصة النسيج والطيران، مداخيل بلغت 12,7 مليار درهم بارتفاع قوي وصل إلى %19، وهي إشارة واضحة إلى أن طنجة المتوسط لا يريد أن يضع كل بيضه في سلة واحدة، خلافا لبعض السياسات التي لا تتذكر التنويع إلا بعد وقوع الأزمة.

كما عزز قطاع اللوجستيك مكانته محققا 50,4 مليار درهم، بزيادة %9,6، ليتأكد أن الخدمات المرتبطة بالنقل والتخزين وإعادة التوزيع أصبحت العمود الفقري للنموذج الاقتصادي الجديد، حيث لم يعد الميناء مجرد مكان ترسو فيه السفن، بل ماكينة اقتصادية متكاملة.

الرساميل الأجنبية تصوت بالمال

و في ذات السياق، استقطبت المنصة استثمارات خاصة بقيمة 17,13 مليار درهم خلال سنة واحدة فقط، وهو تصويت مباشر من المستثمرين الدوليين لصالح المغرب، فالشركات الكبرى تبحث اليوم عن بلدان مستقرة، قريبة من الأسواق، وتملك بنية تحتية فعالة، وهي صفات نادرة في منطقة تعيش على وقع الاضطرابات.

كما تمت المصادقة على 84 مشروعا جديدا باستثمارات بلغت 4,9 مليار درهم، مع إحداث 11.776 منصب شغل، في حين عززت مدينة محمد السادس طنجة تيك تموقعها عبر 11 مشروعا إضافيا بقيمة 12,22 مليار درهم ووفرت 3882 فرصة عمل في مجالات البطاريات والمعادن المتقدمة والإلكترونيات.

من ميناء عبور إلى ورقة سيادية

تمتد المنظومة الصناعية واللوجستيكية المرتبطة بطنجة المتوسط على نحو 3000 هكتار، وتضم أكثر من 1500 شركة وتوفر حوالي 145 ألف منصب شغل، لكن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في المساحات والأرقام، بل في كون المغرب أصبح يملك أداة نفوذ اقتصادي حقيقية.

فحين يضطرب مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى مضيق جبل طارق.. وحين تبحث الشركات عن “موانئ آمنة” ، يظهر اسم طنجة المتوسط، وهكذا يتحول موقع جغرافي كان مجرد نقطة على الخريطة إلى مركز قرار اقتصادي دولي.. في عالم يشتعل بالتوترات، يبدو أن بعض الدول تصدر الأزمات، بينما ينجح المغرب في استيراد الفرص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى