
قدّمت نبيلة منيب، البرلمانية عن الحزب الاشتراكي الموحد، قراءة نقدية لحصيلة حكومة 2021–2026، معتبرة أن التقييم الحقيقي لأي ولاية حكومية يجب أن ينطلق من أسئلة جوهرية ترتبط بالحكامة، ومحاربة الفساد، وتوزيع الثروة، وليس فقط بعرض أرقام وإنجازات معزولة.
جاء ذلك خلال مناقشة الحصيلة التي قدمها رئيس الحكومة بمجلس النواب، حيث أكدت منيب، خلال مداخلتها، أن السياسة في جوهرها “أخلاق وخدمة للصالح العام”، متسائلة عن مدى التزام الحكومة بهذه المبادئ في ظل ما وصفته بتغوّل المصالح الاقتصادية وارتباط السلطة بالمال، بما يكرّس هيمنة “الأوليغارشيا” على حساب الفئات الشعبية.
سياق دولي مضطرب… ومطالب بإعادة التموضع
ربطت المتدخلة تقييم الحصيلة بالسياق الدولي المتوتر، مشيرة إلى ما اعتبرته حروبا خارج القانون الدولي، وما يرافقها من تداعيات إنسانية وسياسية، داعية إلى مواقف أكثر وضوحًا في السياسة الخارجية، خصوصًا في ما يتعلق بالعلاقات مع إسرائيل، ومطالبة بإعادة النظر في اتفاقيات التطبيع.
اختلالات بنيوية في السياسات العمومية
في الشق الداخلي، انتقدت منيب ما وصفته باستمرار اختيارات “لا ديمقراطية ولا شعبية”، معتبرة أن الحكومة لم تُقدم على إصلاحات عميقة في مجالات أساسية، من بينها محاربة الريع والاحتكار، وتفعيل آليات ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح.
كما أثارت تساؤلات حول رفض اعتماد قوانين مثل “من أين لك هذا؟”، والعفو العام عن معتقلي حراك الريف وبعض نشطاء الاحتجاجات الاجتماعية.
تعليم وصحة تحت المجهر
في تقييمها للقطاعات الاجتماعية، اعتبرت منيب أن منظومتي التعليم والصحة تعرفان تفكيك ممنهج، مشيرة إلى عدد من المشاكل منها تعدد القوانين المنظمة للتعليم مع استمرار الاختلالات، و فرض رسوم على بعض مسالك التعليم العالي، وخصاص حاد في الموارد البشرية الصحية، مع استفادة القطاع الخاص من الحصة الأكبر من الاستثمارات.
واعتبرت أن ورش الحماية الاجتماعية، رغم أهميته، يعاني من اختلالات، من بينها إقصاء فئات هشة من التغطية الصحية، وتحويل الدعم إلى آلية لاحتواء الغضب الاجتماعي بدل معالجة جذوره.
مؤشرات اجتماعية مقلقة
قدّمت منيب أرقام اعتبرتها دالة على فشل النموذج الاجتماعي، من أبرزها:
- ارتفاع معدل البطالة إلى حوالي 13%
- اتساع دائرة الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية
- تسجيل آلاف الاحتجاجات سنويًا في مختلف المناطق
وتوقفت عند تنامي الحركات الاحتجاجية في البوادي والمدن، من مسيرات أيت بوكماز إلى احتجاجات فجيج وطاطا، وصولًا إلى تحركات الطلبة والأساتذة وموظفي قطاعات متعددة.
اقتصاد تحت ضغط المديونية والاحتكار
على المستوى الاقتصادي، انتقدت البرلمانية ارتفاع المديونية العمومية إلى مستويات تقارب 80% من الناتج الداخلي، إلى جانب استمرار ارتفاع أسعار الطاقة رغم تراجعها دوليًا، معتبرة أن ذلك يعكس اختلالات في بنية السوق وهيمنة فاعلين كبار.
كما حذّرت من تهديدات تطال الأمن الغذائي والمائي، في ظل التغيرات المناخية وسياسات تدبير الموارد.
تشريعات مثيرة للجدل
لم تُخفِ منيب انتقادها لعدد من القوانين التي اعتبرتها مقيدة للحريات أو مكرسة للفوارق، من بينها قانون الإضراب،وقوانين التعليم العالي والمدرسي، ومشاريع المسطرة المدنية والجنائية.
كما أثارت مسألة تحويل مؤسسات عمومية إلى شركات مساهمة، وفتحها أمام الرأسمال الخاص، معتبرة أن ذلك يندرج ضمن مسار “خوصصة مقنّعة” قد يمس بالسيادة الاقتصادية.
نحو نموذج سياسي جديد
في ختام مداخلتها، دعت منيب إلى إرساء نموذج سياسي جديد يقوم علىتعاقد اجتماعي قائم على الديمقراطية والعدالة
توزيع عادل للثروة، وتقوية الجبهة الداخلية عبر إشراك المواطنين فعليًا في القرار، وركزت على ضرورة إطلاق مصالحة مع المناطق المهمشة.
هذا وشددت على أن “الدولة الاجتماعية” لا يمكن أن تتحقق عبر الدعم الظرفي فقط، بل من خلال سياسات عمومية تضمن الكرامة وفرص الشغل والخدمات الأساسية بجودة عالية.
سؤال الحصيلة… وسؤال المستقبل
خطاب منيب أعاد طرح سؤال جوهري داخل النقاش العمومي، هل تعكس حصيلة الحكومة تحسن فعلي وملموس في أوضاع المغاربة، أم أنها تُخفي اختلالات أعمق تتطلب مراجعة شاملة للنموذج التنموي؟
وبين عرض الأرقام الرسمية وتنامي مؤشرات الاحتقان الاجتماعي، يبدو أن تقييم الولاية الحكومية لن يكون مجرد تمرين سياسي، بل محطة حاسمة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة.





