
بعد سنوات طويلة ظلت فيها الانقسامات والخلافات التنظيمية السمة الأبرز للمشهد اليساري المغربي، مقابل ندرة المبادرات الوحدوية واستثنائيتها، أعلن اليوم الأربعاء بالدار البيضاء، في ندوة صحفية انعقدت بالدارالبيضاء، عن تأسيس “تحالف اليسار” بين “فيدرالية اليسار الديمقراطي” و”الحزب الاشتراكي الموحد”، في خطوة يسعى أصحابها إلى تجاوز إرث التشتت وإعادة بناء قطب يساري قادر على استعادة حضوره السياسي والاجتماعي.
المبادرة لا تقتصر على تنسيق انتخابي ظرفي
وخلال اللقاء الذي شهد الإعلان عن التحالف، أكد عبد السلام العزيز، الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي، أن المبادرة لا تقتصر على تنسيق انتخابي ظرفي استعدادا للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بل تمثل مشروعا سياسيا استراتيجيا مفتوحا على المستقبل، ويروم توحيد مختلف الطاقات اليسارية والديمقراطية والتقدمية.
وأوضح العزيز أن التحالف الجديد لا ينغلق على مكونيه الحزبيين، بل يمد يده إلى الفاعلين الاجتماعيين والمدنيين، والمناضلات والمناضلين المدافعين عن قضايا الحقوق والحريات، وكذا المثقفين والطاقات الديمقراطية الراغبة في الإسهام في بناء بديل سياسي تقدمي، مؤكدا أن حتى البرنامج الانتخابي هو مفتوح في وجه مقترحات المواطنات والمواطنيين.
جدل المشاركة والمقاطعة
وبخصوص المشاركة في الانتخابات، اعتبر العزيز أن الموقف من المقاطعة أو المشاركة لا يخضع لمنطق ثابت أو مبدئي مطلق، وإنما يرتبط بالتحليل السياسي للظروف والسياقات.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تفرض الانخراط في العملية الانتخابية، معتبرا أن تعزيز الحضور داخل المؤسسة التشريعية من شأنه أن يقوي قدرة اليسار على الدفاع عن مصالح الشعب المغربي وإسماع صوته داخل المؤسسات، فضلاً عن توسيع دائرة الترافع حول القضايا الاجتماعية والديمقراطية.
من جانبه، تولى عبد الرحيم العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، تقديم البيان التأسيسي للتحالف، موضحا أن هذه الخطوة تأتي استجابة للحاجة إلى توحيد نضالات القوى اليسارية الديمقراطية والتقدمية، وتجاوز حالة التشتت التي أضعفت حضورها السياسي خلال السنوات الماضية.
وأشار العسري إلى أن التحالف يسعى إلى مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية التي تعرفها البلاد، معتبرا أن بناء جبهة ديمقراطية وشعبية واسعة أصبح ضرورة لطرح بدائل قادرة على الاستجابة لتطلعات المغاربة في الحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية.
انتقد العسري هيمنة وزارة الداخلية على تدبير الانتخابات
وفي معرض حديثه عن العملية الانتخابية، انتقد العسري ما وصفه بهيمنة وزارة الداخلية على تدبير الانتخابات، معتبرا أن هذا الإشراف ينعكس على تشكيل الخريطة السياسية ويؤثر في موازين التنافس الحزبي. ورغم ذلك، شدد على أن خيار المقاطعة لم يعد يطرح بنفس الشروط التي عرفتها محطات سابقة.
وأوضح أن قرار مقاطعة الانتخابات في مراحل سابقة ارتبط بوجود دينامية جماهيرية وحراك مجتمعي كان يمنح لهذا الخيار مضمونا سياسيا وتأثيرا فعلياً، بينما تختلف الظروف الحالية بشكل كبير، ما يجعل المقاطعة، بحسب تعبيره، خيارا سلبيا وغير فاعل سياسيا، ولا يسمح بالتأثير في موازين القوى أو الدفاع عن المطالب الديمقراطية والاجتماعية.
يرتكز الميثاق السياسي للتحالف على جملة من المبادئ
هذا و يرتكز الميثاق السياسي للتحالف على جملة من المبادئ، من بينها الربط بين السيادة الوطنية والانتقال الديمقراطي، والدفاع عن الوحدة الترابية، والنضال من أجل إصلاحات دستورية وسياسية عميقة تقوم على فصل حقيقي للسلط وتوسيع صلاحيات المؤسسات المنتخبة، إلى جانب مكافحة الفساد والريع وتضارب المصالح، وترسيخ سيادة القانون وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما يدعو التحالف إلى بلورة نموذج تنموي أكثر عدالة وإنصافا للفئات الاجتماعية الهشة والمناطق المهمشة، مع التمسك بمناهضة التطبيع والدفاع عن القضية الفلسطينية، والعمل على تعزيز المساواة الفعلية بين النساء والرجال، وتوسيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ويعيد هذا التحالف إلى الواجهة سؤال الوحدة داخل اليسار المغربي، بعدما كانت تجربة “فيدرالية اليسار الديمقراطي” التي تأسست سنة 2014 قد شكلت محاولة مماثلة لتجميع مكونات اليسار، قبل أن تتعثر بفعل الخلافات التي انتهت سنة 2021 بانفصال الحزب الاشتراكي الموحد عن مشروع الاندماج. واليوم، يراهن الطرفان على أن يشكل “تحالف اليسار” بداية مرحلة جديدة تتجاوز منطق الانقسام وتؤسس لعمل سياسي مشترك أكثر استقرارا وفعالية.





