
لم تعد الشكايات التي يتقدم بها المواطنون ضد الإدارات العمومية مجرد أرقام تُدرج في التقارير السنوية، بل أصبحت مؤشرا دقيقا على طبيعة العلاقة بين الإدارة والمرتفق، ومدى قدرة المؤسسات العمومية على ضمان الحقوق وتقديم الخدمات بالكفاءة المطلوبة.
فكلما ارتفع عدد التظلمات، برز سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بارتفاع وعي المواطنين بحقوقهم، أم باستمرار اختلالات هيكلية تعيق فعالية الإدارة وتؤثر في ثقة المواطنين بالمؤسسات؟
التقرير السنوي لمؤسسة وسيط المملكة لسنة 2024 يقدم صورة مركبة لهذا الواقع، إذ يكشف استمرار تمركز الشكايات في عدد محدود من القطاعات الحيوية، مع بروز برامج اجتماعية وخدمات عمومية ضمن أكثر الملفات إثارة للتظلمات، بما يعكس أن رهان إصلاح الإدارة لا يزال يواجه تحديات تتجاوز الجوانب الإجرائية إلى قضايا الحكامة وجودة الخدمات.
هيمنة التظلمات المباشرة
سجلت المؤسسة خلال سنة 2024 ما مجموعه 5755 ملف تظلم مباشر ضد الإدارات العمومية، بما يمثل 72.41 في المائة من مجموع الملفات الواردة، مسجلة ارتفاعا بنسبة 7.09 في المائة مقارنة بسنة 2023.
وفي المقابل، بلغ عدد ملفات التوجيه، التي تقوم المؤسسة من خلالها بإحالة المرتفقين إلى الجهات المختصة، 2182 ملفا بنسبة 27.45 في المائة، بزيادة بلغت 18.85 في المائة، بينما لم يتجاوز عدد طلبات التسوية الودية 11 طلبا، وهو رقم عرف بدوره ارتفاعا مقارنة بالسنة السابقة.
معالجة تقارب ثمانية آلاف ملف
وخلال السنة نفسها، تعاملت المؤسسة مع 7966 ملفا، توزعت بين ملفات التظلم والتوجيه والتسوية الودية.
وأفضت عمليات المعالجة إلى حفظ 2240 ملفا، فيما تمت تسوية 1781 ملفا بشكل ودي، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 18.34 في المائة مقارنة بسنة 2023، بينما اعتبر 1034 ملفا غير مقبول، و573 ملفا خارج نطاق اختصاص المؤسسة.
كما واصلت المؤسسة تتبع تنفيذ 992 توصية، من بينها 845 توصية تعود إلى سنوات سابقة و146 توصية جديدة، وكانت التوصيات ذات الطابع المالي الأكثر حضورا بإجمالي 313 توصية.
الملفات الإدارية والمالية في الصدارة
تكشف طبيعة الشكايات أن الإشكالات المرتبطة بالإدارة والحقوق المالية والعقارية ما تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من التظلمات.
فمن أصل 5755 ملفا، استحوذت هذه الفئة على 5012 ملفا، أي ما يعادل 87.09 في المائة، توزعت بين 2325 شكاية إدارية، و1761 شكاية مالية، و926 شكاية عقارية، وهو ما يعكس استمرار النزاعات المرتبطة بتنفيذ القرارات الإدارية، واسترجاع المستحقات، وتسوية الملفات العقارية.
المواطن الفرد… صاحب النصيب الأكبر
أظهرت المعطيات أن الأشخاص الذاتيين شكلوا 83.37 في المائة من مجموع المشتكين، مقابل نسبة محدودة للأشخاص الاعتباريين.
كما استحوذ الذكور على 75.37 في المائة من الشكايات، مقابل 24.63 في المائة للإناث، في حين بلغت نسبة المواطنين المغاربة 99.33 في المائة من مجموع المتظلمين.
وجغرافيا، صدرت 93.7 في المائة من الشكايات من داخل المملكة، مقابل 6.3 في المائة فقط من مغاربة العالم.
الرقمنة تتقدم… لكن القنوات التقليدية صامدة
على مستوى طرق إيداع الشكايات، واصلت المنصة الرقمية “e-plainte” تعزيز حضورها، بعدما استقبلت 35.83 في المائة من الملفات، متقدمة على المراسلات البريدية التي بلغت 31.01 في المائة، ثم الإيداع المباشر بمقر المؤسسة وتمثيلياتها الجهوية بنسبة 21.54 في المائة، بما يعكس تنامي الاعتماد على الخدمات الرقمية دون أن يلغي أهمية الوسائل التقليدية.
الداخلية في صدارة القطاعات الأكثر شكايات
احتلت وزارة الداخلية المرتبة الأولى ضمن القطاعات الأكثر استقبالا للتظلمات بنسبة 26.10 في المائة، تلتها وزارة الاقتصاد والمالية بنسبة 15.73 في المائة، ثم وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بنسبة 11.33 في المائة، تليها الجماعات الترابية بنسبة 9.31 في المائة، ثم وزارة التربية الوطنية بنسبة 8.90 في المائة.
ويرجع التقرير تصدر وزارة الداخلية إلى اتساع شبكة مصالحها الترابية وكثافة الخدمات الإدارية التي تقدمها للمواطنين يوميا.
أما ملفات التوجيه، فقد تصدرها قطاع العدل بنسبة 45.88 في المائة، في مؤشر على استمرار الإشكالات المرتبطة بتنفيذ الأحكام القضائية الصادرة في مواجهة الإدارة.
برامج اجتماعية تحت المجهر
ولم يقتصر التقرير على رصد الأرقام، بل توقف عند اختلالات مست عددا من البرامج الاجتماعية والخدمات الأساسية.
ففي قطاع السكن، سجلت المؤسسة تكرار الشكايات المتعلقة بتعثر برامج محاربة السكن غير اللائق، وصعوبة الحصول على التعويضات، وتعقيد مساطر رخص البناء والتسوية العقارية.
أما في مجال التغطية الصحية الإجبارية، فقد رصد التقرير استمرار التأخر في تعويض المصاريف الطبية، إلى جانب صعوبات استفادة بعض الفئات، خصوصا العمال غير الأجراء والمتقاعدين، من الخدمات الصحية.
وفي ملف المعاشات، أشار التقرير إلى شكايات تتعلق بضعف قيمة بعض المعاشات مقارنة بتكاليف المعيشة، فضلا عن التعقيدات الإدارية التي ترافق تسوية ملفات التقاعد.
وفي هذا السياق، رفع وسيط المملكة خلال سنة 2024 ثلاثة تقارير خاصة إلى رئيس الحكومة، تناول أولها أوضاع المعاشات المتدنية والتغطية الصحية للمتقاعدين، بينما خصص التقريران الآخران لاختلالات الولوج إلى برامج الدعم الاجتماعي الرقمية وإشكالات التسجيل والاستفادة منها.
“فرصة” ضمن أكثر البرامج إثارة للشكايات
كشف التقرير أن برنامج “فرصة” كان من أكثر البرامج العمومية إثارة للتظلمات، بعدما استقبلت المؤسسة بشأنه 585 شكاية، أي ما يعادل 10.50 في المائة من مجموع ملفات التظلم المسجلة خلال السنة.
وساطة أنهت أزمة كليات الطب
وفي أحد أبرز ملفات الوساطة خلال سنة 2024، وثق التقرير تدخل المؤسسة في أزمة طلبة كليات الطب والصيدلة، حيث أسهمت جهودها في التوصل إلى اتفاقين؛ الأول مع طلبة الصيدلة في 22 شتنبر 2024، والثاني مع طلبة الطب في 8 نونبر 2024، منهية بذلك أزمة امتدت لأشهر بسبب الخلاف حول مسار التكوين ومدد الدراسة.
ويقدم التقرير هذه التجربة باعتبارها نموذجا لنجاعة الوساطة المؤسساتية في تدبير النزاعات الاجتماعية، وإيجاد حلول توافقية خارج مساطر التقاضي، بما يعزز ثقافة الحوار ويحد من تفاقم الأزمات.





