
بعد كارثة “القرمزية”.. حشرة جديدة تهدد زيتون المغرب
لم يكد القطاع الفلاحي المغربي يتجاوز آثار الحشرة القرمزية التي أتت على مساحات واسعة من الصبار، حتى وجد نفسه أمام تهديد جديد يتمثل في الانتشار المتسارع لحشرة “Nysius” بعدد من مناطق الجهة الشرقية، في مشهد يعيد إلى الواجهة سؤالاً ملحاً: هل أصبحت السياسات الفلاحية قادرة فعلاً على استباق المخاطر، أم أنها لا تزال تتحرك بعد وقوع الخسائر؟
فالقلق الذي يسود الأوساط الفلاحية لا يرتبط بظهور حشرة جديدة فحسب، وإنما بسرعة انتشارها وسلوكها الهجومي، خاصة تجاه الأغصان الغضة والأشجار الفتية حديثة الغرس، وهو ما يهدد بإتلاف استثمارات سنوات من العمل، ويضع إحدى أهم السلاسل الفلاحية بالمملكة أمام اختبار حقيقي في ظرفية تتسم أصلاً بتداعيات الجفاف والتغيرات المناخية وارتفاع كلفة الإنتاج.
قطاع استراتيجي يتجاوز حدود الفلاحة
وفق معطيات وزارة الفلاحة، تمتد زراعة الزيتون على أكثر من 1.2 مليون هكتار، أي ما يقارب ثلث المساحات المغروسة بالأشجار المثمرة، فيما يوفر القطاع ملايين أيام العمل سنوياً، ويؤمن مصدر دخل لمئات الآلاف من الأسر القروية، كما يتجاوز إنتاج المغرب، في المواسم الجيدة، مليوني طن من الزيتون، مع إنتاج يفوق أحياناً 200 ألف طن من زيت الزيتون، ما يجعل أي اضطراب في هذه السلسلة ينعكس مباشرة على الاقتصاد القروي، وأسعار السوق الداخلية، وتنافسية الصادرات المغربية.
لهذا، فإن انتشار حشرة “Nysius”لا يمثل مجرد مشكلة تقنية، بل يضع على المحك الاستثمارات التي ضختها الدولة في إطار مخطط “المغرب الأخضر” ثم استراتيجية “الجيل الأخضر 2020-2030”.. فهذه البرامج لم تراهن فقط على توسيع المساحات المغروسة، بل أيضاً على بناء فلاحة أكثر قدرة على الصمود، وهو رهان يبقى ناقصاً إذا لم يواكبه نظام فعال لليقظة الصحية النباتية والاستجابة السريعة للمخاطر.
صغار الفلاحين… الحلقة الأضعف
وفي هذا السياق، يكشف الواقع الميداني أن صغار المنتجين هم الأكثر عرضة لتبعات هذه الحشرة، فمعظمهم يفتقر إلى وسائل الرصد المبكر، ولا يمتلك الإمكانات المالية أو الخبرة التقنية لتحديد المبيدات المناسبة أو توقيت استعمالها، بينما يعني فقدان الأشجار بالنسبة لكثير من الأسر القروية ضياع مصدر دخل موسم كامل، وليس مجرد خسارة محصول زراعي.
لذلك، وجه الفلاحون نداء استغاثة إلى وزارة الفلاحة والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية (ONSSA)، مطالبين بإيفاد فرق تقنية إلى المناطق المتضررة، وتوفير المبيدات المعتمدة، وإطلاق حملات تحسيس ومواكبة ميدانية، حماية لاستثماراتهم وللاقتصاد المحلي المرتبط بهذه الزراعة.
الجفاف والآفات… أزمة مركبة
هذا و لا يمكن فصل هذا التطور عن السياق المناخي الذي يعيشه المغرب، فسنوات الجفاف المتتالية أضعفت القدرة الطبيعية للأشجار على مقاومة الأمراض، فيما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن ارتفاع درجات الحرارة واضطراب الأنظمة البيئية يسرعان انتشار الآفات الزراعية ويزيدان من معدلات تكاثرها.
ويعني ذلك أن مواجهة هذه الأخطار لم تعد تقتصر على توفير المبيدات بعد ظهور الإصابة، بل أصبحت رهينة بمنظومة متكاملة للمراقبة البيولوجية والبحث العلمي والتدخل الوقائي، بما يسمح باحتواء البؤر الأولى قبل تحولها إلى أزمة وطنية مكلفة.
هل استوعبت السياسات العمومية الدرس؟
إذا كانت كارثة الحشرة القرمزية قد كشفت في السابق كلفة التأخر في الرصد والتدخل، فإن ظهور “Nysius” يطرح اليوم سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل استخلصت السياسات العمومية الدروس الكافية لحماية الاستثمارات الفلاحية، أم أن منطق تدبير الأزمات لا يزال يغلب على منطق الوقاية؟
ويكتسب هذا السؤال أهمية أكبر في ظل الارتفاع القياسي الذي عرفته أسعار زيت الزيتون خلال الموسمين الأخيرين نتيجة تراجع الإنتاج، إذ إن أي خسائر جديدة قد تزيد الضغوط على السوق، وتثقل كاهل المستهلك، وتضعف مردودية قطاع يمثل رافعة للتنمية القروية.
إن حماية أشجار الزيتون لم تعد شأناً فلاحياً صرفاً، بل أصبحت قضية ترتبط بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وجدوى الإنفاق العمومي على القطاع، فالنجاح الحقيقي لأي استراتيجية فلاحية لا يقاس بعدد الأشجار التي تُغرس، وإنما بقدرتها على حمايتها من المخاطر قبل أن تتحول كل آفة جديدة إلى فاتورة اقتصادية واجتماعية تدفعها الدولة والفلاح والمستهلك معاً.





