
الشباب يسبق المؤسسات إلى العالم الرقمي
لم يعد الخطر الذي يتهدد الشباب المغربي يقتصر على البطالة أو صعوبة الولوج إلى التعليم وسوق الشغل، بل امتد إلى معركة أكثر تعقيداً تدور داخل الفضاء الرقمي، حيث تتنافس المنصات الإلكترونية وخوارزميات المحتوى على تشكيل الوعي العام في ظل تراجع حضور المؤسسات التقليدية، هذا ما يكشفه التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي لا يقرأ التحولات الرقمية باعتبارها مجرد تطور تكنولوجي، بل يضعها في سياق أزمة أعمق عنوانها اتساع الفجوة بين الدولة وجيل جديد يصنع فضاءاته الخاصة خارج القنوات الرسمية.
من شباب يطالب بالشغل… إلى جيل يبحث عن فضاء للتعبير
يرصد التقرير أن سنة 2025 شكلت نقطة تحول في أنماط انخراط الشباب في الشأن العام، بعدما تجاوزت مطالبه القضايا التقليدية المرتبطة بالتشغيل والتعليم والإدماج الاجتماعي، لتبرز أشكال جديدة من التعبير والمشاركة تعتمد على المبادرات الرقمية والتنظيمات الأفقية، بعيداً عن الوسائط السياسية والجمعوية الكلاسيكية.
ولفهم هذه الدينامية، نظم المجلس جلسات إنصات شارك فيها شباب وخبراء وباحثون، خلصت إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية أعادت رسم علاقة الشباب بالمجال العام، في وقت تشير فيه معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن الشباب بين 15 و34 سنة يمثلون نحو ثلث سكان المغرب، بينما تجاوز عدد مستعملي الإنترنت 38 مليوناً، ما جعل العالم الرقمي المجال الأول لتشكيل الآراء والمواقف.
التضليل الرقمي… نتيجة لفراغ مؤسساتي؟
ورغم ما يتيحه الفضاء الرقمي من فرص للإبداع والمشاركة، يحذر المجلس من تحوله إلى بيئة خصبة للتضليل، والاستغلال، والهجمات السيبرانية، وانتهاك المعطيات الشخصية، إلى جانب تنامي خطابات الكراهية والاستقطاب.
غير أن أخطر ما يكشفه التقرير ليس وجود هذه المخاطر، بل السياق الذي يسمح لها بالتمدد. فحين يشعر الشباب بأن المؤسسات لا تنصت إليه، تصبح المنصات الرقمية بديلاً طبيعياً، بكل ما تحمله من فرص ومخاطر. وهنا تتحول معركة حماية الشباب من قضية أمن معلومات إلى قضية ثقة في السياسات العمومية وقدرتها على مواكبة التحولات المجتمعية.
وقد سبق للمديرية العامة لأمن نظم المعلومات أن نبهت إلى تصاعد التهديدات السيبرانية، في وقت يتسارع فيه التحول الرقمي، ما يجعل فئة الشباب الأكثر عرضة لحملات التضليل والاستهداف الإلكتروني.
دستور ينتظر التنفيذ… وشباب ينتظر من يحاوره
يكشف التقرير أيضاً مفارقة لافتة؛ فدستور 2011 نص على إحداث المجلس الاستشاري للشباب والعمل الجمعوي باعتباره فضاءً للحوار والمشاركة، غير أن هذا الورش ظل معلقاً لأكثر من عقد، رغم التحولات العميقة التي عرفها المجتمع.
وبالنسبة للمجلس، فإن استمرار هذا التأخر لم يعد مجرد مسألة إدارية، بل أصبح مؤشراً على عجز السياسات العمومية عن مواكبة جيل يتغير بسرعة أكبر من وتيرة الإصلاح المؤسساتي، كما أن غياب فضاء مؤسساتي قادر على استيعاب تطلعات الشباب يترك المجال مفتوحاً أمام مصادر بديلة للتأثير وصناعة الرأي العام.
وتزداد خطورة هذا الواقع مع استمرار تحديات البطالة والهشاشة الاجتماعية وارتفاع نسب الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من أي تكوين، وهي مؤشرات تجعل الإحباط الاجتماعي أرضية خصبة لتراجع الثقة في المؤسسات.
الاستثمار في الشباب… أم إدارة الأزمة؟
لذلك يجدد المجلس دعوته إلى اعتماد استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، تقوم على إشراكهم في صياغة السياسات العمومية، وتسريع إحداث المجلس الاستشاري، وتوسيع شبكة دور الشباب وتأهيلها ببرامج ثقافية ورياضية ورقمية وأطر متخصصة في التوجيه والدعم النفسي.
لكن الرسالة الأعمق التي يحملها التقرير تتجاوز هذه التوصيات؛ فهي تعكس اعترافاً ضمنياً بأن الرهان الحقيقي لم يعد فقط خلق فرص الشغل أو تحسين التعليم، بل استعادة ثقة جيل كامل يشعر بأن سرعة التحولات التي يعيشها أكبر من سرعة استجابة المؤسسات، وفي ظل هذا الواقع، لن يكون أخطر ما يواجه المغرب هو التضليل الرقمي في حد ذاته، بل استمرار الفراغ الذي يسمح له بأن يصبح المرجعية الأولى لشباب يبحث عن من يسمعه، قبل أن يبحث عمن يمثله.





