
لم تعد مشاهد عشرات الشبان المغاربة وهم يلقون بأنفسهم في مياه البحر سباحة نحو سبتة المحتلة مجرد خبر موسمي يتكرر كل صيف، بل أصبحت مؤشرا اجتماعيا واقتصاديا يختزل حجم الأزمة التي يعيشها جزء واسع من الشباب المغربي.
فخلال الأيام الأخيرة، تحولت السواحل المحاذية لسبتة إلى مسرح لمحاولات عبور جماعية غير مسبوقة، انتهت بإنقاذ مئات الأشخاص، واختفاء آخرين في عرض البحر، بينما وصلت مجموعات أخرى إلى المدينة المحتلة، في مشاهد دفعت وسائل إعلام إسبانية إلى وصف ما يجري بأنه أخطر من أزمة ماي 2021.
لكن خلف صور الشبان وهم يتشبثون بالأمواج، تختفي قصة أكبر بكثير من مجرد “هجرة سرية”؛ إنها قصة جيل يشعر بأن المستقبل أغلق أبوابه في وجهه.
إسبانيا تستنفر… والمغرب يفقد أبناءه في البحر
بحسب وسائل إعلام إسبانية، فإن الحرس المدني والبحرية الملكية المغربية أنقذا، في ظرف ساعات، ما يقارب ألف مهاجر، بينما تمكن المئات من الوصول إلى سبتة المحتلة.
وتؤكد الصحف الإسبانية أن الظاهرة لم تعد تقتصر على معبر تراخال، بل امتدت إلى مختلف السواحل المحاذية للمدينة، حيث أصبحت مجموعات صغيرة تتحرك في توقيتات مختلفة، وهو ما أربك الأجهزة الأمنية الإسبانية التي أقرت بعجزها عن احتواء جميع محاولات العبور.
بل إن الانتقادات داخل إسبانيا لم تقتصر على ضغط الهجرة، وإنما امتدت إلى ضعف الوسائل البحرية، بعدما كشفت صور تسرب المياه إلى زوارق الحرس المدني أثناء عمليات الإنقاذ.
غير أن الأزمة الحقيقية ليست في الجانب الإسباني، بل في الأسباب التي تدفع آلاف المغاربة إلى المجازفة بحياتهم.
حين تصبح البطالة طريقا إلى البحر
الهجرة ليست قرارا يتخذه شاب بين ليلة وضحاها، بل هي نتيجة سنوات من الإحباط.
فالأرقام الرسمية تكشف أن معدل البطالة في المغرب بلغ 10.8 في المائة، لكنه يرتفع بشكل حاد وسط الشباب، إذ يصل إلى حوالي 29 في المائة لدى الفئة بين 15 و24 سنة، بينما يظل مرتفعا أيضا لدى الشباب بين 25 و34 سنة.
هذه الأرقام لا تعني فقط غياب فرص الشغل، بل تعني أن مئات الآلاف من الشباب يدخلون سوق العمل دون أن يجدوا مكانا فيه.
جيل خارج المدرسة… وخارج سوق الشغل
الأخطر من البطالة هو وجود شريحة واسعة من الشباب لا تدرس، ولا تعمل، ولا تستفيد من أي تكوين.
وتشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن حوالي ثلث الشباب بين 15 و29 سنة يصنفون ضمن فئة “NEET”، أي أنهم خارج التعليم والتكوين وسوق الشغل في الوقت نفسه.
وهذا يعني أن مئات الآلاف من الشباب يعيشون فراغا اقتصاديا واجتماعيا كاملا، دون أفق واضح للاندماج أو تحسين أوضاعهم.
وعندما يغيب الأمل، يصبح البحر بالنسبة لكثيرين فرصة أخيرة، مهما كانت كلفتها.
الفقر لم يعد مشكلة الدخل فقط
لا يمكن فهم هذه الموجة من الهجرة دون ربطها بالواقع الاقتصادي الذي تعيشه الأسر المغربية.
فارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، واتساع الفوارق الاجتماعية، وغلاء السكن، وصعوبة الولوج إلى الشغل، كلها عوامل جعلت الاستقرار الاقتصادي حلما بعيد المنال بالنسبة لفئات واسعة من الشباب.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه الحكومة عن مؤشرات النمو وجذب الاستثمارات، يشعر جزء كبير من الشباب بأن هذه الأرقام لا تنعكس على حياتهم اليومية، ولا توفر لهم وظيفة، ولا تمكنهم من بناء مستقبل داخل بلدهم.
وهنا تتسع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الكلية والواقع الاجتماعي الذي يعيشه المواطن.
الهجرة… تصويت باليأس
لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد محاولة لعبور الحدود، بل تحولت إلى رسالة احتجاج صامتة.
فكل شاب يقرر السباحة نحو سبتة يعلم أنه قد لا يصل، وقد يختفي في البحر، لكنه مع ذلك يفضل المجازفة على البقاء في واقع يعتبره بلا أفق.
إنها ليست مغامرة بقدر ما هي تصويت باليأس، ورسالة تقول إن الخوف من المستقبل داخل الوطن أصبح أكبر من الخوف من الموت في البحر.
الحلول الأمنية وحدها لا توقف الهجرة
ورغم تشديد المراقبة البحرية وتكثيف عمليات الإنقاذ واعتراض المهاجرين، تتكرر محاولات العبور بوتيرة متزايدة، ما يؤكد أن المقاربة الأمنية، مهما بلغت صرامتها، لن تكون كافية لمعالجة الظاهرة.
فالحدود يمكن تشديدها، لكن لا يمكن إغلاق البحر أمام اليأس.
وما لم تقترن الإجراءات الأمنية بسياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على خلق فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وإعادة الثقة للشباب في مستقبلهم، فإن أمواج البحر ستظل تستقبل كل صيف أفواجا جديدة من الباحثين عن حياة يعتقدون أنها توجد على الضفة الأخرى.
بين سبتة والبطالة… أزمة وطنية لا حدودية
تكشف موجة الهجرة الحالية أن القضية لم تعد مرتبطة بمدينة سبتة وحدها، بل أصبحت مرآة تعكس واقع شريحة واسعة من الشباب المغربي. فعندما يتحول البحر إلى خيار، فذلك يعني أن الأزمة بدأت على اليابسة، وأن معالجة الظاهرة لا تكون فقط بزوارق الإنقاذ أو الأسلاك الشائكة، بل بإعادة بناء الأمل داخل الوطن، حتى لا يبقى البحر هو الطريق الوحيد الذي يراه آلاف الشباب نحو مستقبل يعتقدون أنه لم يعد ممكنا في بلدهم.





