
اعتراف من داخل المكتب المسير
حين يصف المسؤول المكلف بالممتلكات والمنازعات القضائية قطاعه بأنه في «حالة شلل تام»، فالأمر يتجاوز انتقاداً عابراً.. اطلق الحسين نصر الله، النائب الثاني لرئيسة مجلس جماعة الدار البيضاء، هذا التوصيف خلال الجلسة الأولى لدورة أكتوبر العادية بمقر ولاية جهة الدار البيضاء-سطات، داعياً إلى إعادة الهيكلة والتنظيم وترتيب الإجراءات الإدارية والقانونية بشكل عاجل.
89 قضية وحساب يحتاج إلى توضيح
أعلن نصر الله أن الجماعة تتابع 89 قضية سُجلت بين دورتي ماي وأكتوبر 2026، وتشمل الدعاوى الموجهة ضدها 27 قضية إلغاء، و14 قضية حوادث سير، و10 قضايا تعويض عن الاعتداء المادي والنزع غير المباشر للملكية، و8 قضايا صفقات عمومية، و4 قضايا مسؤولية تقصيرية، وقضيتين في التعمير، إضافة إلى 15 قضية متنوعة، أما ما تباشره الجماعة دفاعاً عن رصيدها فيضم 5 قضايا حيازة، و4 قضايا تتدخل فيها كطرف ثالث، ودعويين لإعادة النظر، وبجمع هذه الأصناف يصل العدد إلى 91 قضية لا 89، وهو فارق يستوجب توضيحاً من المجلس.
حين يتحول الخلل إلى كلفة عمومية
قد تترتب عن ملفات النزع غير المباشر للملكية والصفقات العمومية تعويضات تؤدى من المال العام، بينما تخدم الجماعة ساكنة تبلغ 3.236 ملايين نسمة، حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، والمفارقة أوضح أمام ميزانية 2026، التي قدّرت مداخيل التسيير بنحو 5.2 مليارات درهم وفائضاً متوقعاً بـ692.9 مليون درهم: فإذا كانت الممتلكات مصدراً للموارد، فكم تخسر الجماعة حين يوصف تدبيرها بالشلل؟
مشكلة أقدم من دورة أكتوبر
لا يبدو هذا الملف منفصلاً عن سياق أوسع للمنازعات الجماعية، فقد سجل المجلس الأعلى للحسابات، في تقريره برسم 2016-2017 حول منازعات الجماعات الترابية، أن نسبة تنفيذ الأحكام النهائية لفائدة هذه الجماعات لم تتجاوز 20% بين 2011 و2016، مقابل 80% للأحكام الصادرة ضدها سنة 2016.
كما سبق لوزارة الداخلية أن نبهت الجماعات إلى مسؤوليتها في تزايد المنازعات بسبب عدم التقيد التام بمبدأ المشروعية، وعلى المستوى المحلي، نقلت هسبريس في نونبر 2025 عن مصادر مطلعة تسجيل ارتفاع كبير في فواتير المنازعات القضائية لدى جماعات بجهات، بينها الدار البيضاء-سطات، مع ملاحظات بشأن تصفية الملفات العالقة وتنفيذ الأحكام القضائية النهائية.
هذه المعطيات لا تثبت وحدها أسباب وضع البيضاء، لكنها تجعل الاعتراف بـ«الشلل» داخل مجلسها أبعد من مجرد واقعة معزولة.
بين «الشلل» و«التثمين».. أين الخطة؟
نوّه نصر الله بأطر مديرية الممتلكات والشؤون القانونية واستماتتها، مؤكداً أن الخلل في المنظومة لا في الموظفين، وهو موقف يرفع سقف المسؤولية السياسية، فرئيسة المجلس نبيلة الرميلي سبق أن أكدت أن النواب يشتغلون، كل حسب اختصاصه، على تثمين الممتلكات والرفع من الموارد.
فكيف يستقيم هدف تثمين رصيد الجماعة مع توصيف تدبيره بأنه «شلل تام»؟
انتهت الجلسة، التي ترأستها مليكة مزور، النائبة الأولى للرئيسة، بتأجيل التداول والتصويت في أغلب النقاط إلى الجلسة الثانية المقررة يوم 22 أكتوبر، فيما صادق المجلس على إحداث مكتب فرعي للحالة المدنية بالملحقة الإدارية «الأبرار» بمقاطعة مولاي رشيد.
تقريب الإدارة من المواطن خطوة مطلوبة، لكن ملف الممتلكات يحتاج إلى ما هو أبعد: “تشخيص معلن، وآجال محددة، ومسؤوليات قابلة للقياس، فبعد الاعتراف بالشلل، لم يعد المطلوب تشخيصاً جديداً، بل خطة تُظهر كيف ومتى سيستعيد هذا الرصيد دوره كمصدر للموارد، لا مجرد ملف آخر ينتظر المعالجة.”




