
لم تنجح كل محاولات احتواء أزمة المحامين في كسر المواجهة، جمعية هيئات المحامين بالمغرب قررت، اليوم الخميس، مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات إلى أجل غير مسمى، واضعة الحكومة مباشرة في مواجهة مسؤولية تعطيل مرفق العدالة، ومعلنة أن لا وساطة، ولا تسوية جاهزة، ولا عودة إلى العمل في الأفق القريب.
الرسالة التي حملها الحسين الزياني، رئيس الجمعية، خلال ندوة صحافية، كانت أكثر وضوحا من أي وقت مضى: المحامون لن يتراجعوا، والحكومة الحالية لم تعد بالنسبة إليهم شريكا موثوقا للحوار، والحل قد يُرحل إلى ما بعد انتخابات 23 شتنبر.
حكومة «ذبحت المهنة»
الزياني لم يبحث عن عبارات دبلوماسية لتوصيف الأزمة، بل قال إن المحامين يرفضون العودة إلى العمل في ظل حكومة «ذبحت المهنة».
وفي ظل اقتراب الانتخابات التشريعية، فتح رئيس الجمعية نافذة على احتمال تغيير قواعد المواجهة بعد الاستحقاق، معرباً عن أمله في أن تفرز صناديق الاقتراع حكومة جديدة «في مستوى التطلعات»، تكون مستعدة لفتح حوار حقيقي مع المحامين.
لكن باب الحوار، وفق الزياني، ليس مغلقاً من جهتهم؛ فـ«أي قانون قابل للتعديل»، والمحامون، كما قال، مستعدون للجلوس إلى طاولة الحوار متى توفرت الإرادة السياسية.
الأزمة تجاوزت المحامين
لم تعد القضية، في خطاب الجمعية، مجرد نزاع حول مقتضيات قانونية تخص مهنة المحاماة.
الزياني اعتبر أن الأزمة «بلغت مداها»، وأنها أصبحت مسؤولية مؤسساتية، داعياً مؤسسات الدولة إلى التدخل كل من موقعه واختصاصه من أجل إعادة الأمور إلى نصابها.
فالمطلوب، بحسب رئيس الجمعية، ليس مجرد تسوية تقنية، وإنما حل «يليق بالمحاماة وبالعدالة وبالبلد».
الدار البيضاء لا تمثل الجميع
وفي مواجهة الحديث عن عودة بعض المحامين إلى العمل، شدد الزياني على أن قرار التوقف الشامل اتخذ «بالإجماع» وبعد نقاشات طويلة والاستماع إلى مختلف الآراء.
أما قرار العودة إلى العمل في الدار البيضاء، فاعتبره حالة فردية لا يمكن اتخاذها معياراً للحكم على موقف الجسم المهني بأكمله.
واستحضر في هذا السياق حجم هيئة الدار البيضاء، التي تضم نحو 6 آلاف محام، قائلاً إن عودة عدد محدود منهم لا تعني عودة الهيئة بأكملها إلى العمل.
وسيكون يوم 20 شتنبر محطة جديدة، إذ سيجتمع مكتب الجمعية، مع اقتراب نهاية الحملة الانتخابية، لتحديد الخطوة المقبلة.
«لم نختر الإضراب»
يرفض المحامون، بحسب الزياني، أن يُقدَّم توقفهم عن العمل باعتباره رغبة في تعطيل العدالة أو ممارسة للإضراب من أجل الإضراب.
وقال إن المحامين لا يتوقفون عن العمل «حباً في الإضراب»، وإنما وجدوا أنفسهم أمام خيار يعتبرونه ضرورياً للدفاع عن مهنتهم واستقلاليتها.
كما نفى وجود أي وساطة في الملف، مؤكداً أن وجود إرادة حقيقية لإنهاء الأزمة كان سيؤدي، في نظره، إلى نتيجة مختلفة عن القرار الذي اتخذته الجمعية اليوم.
المحكمة الدستورية تدخل على خط المواجهة
أما قرار المحكمة الدستورية وصدور الأمر بتنفيذ القانون، فقد فتحا بدورهما جبهة جديدة في خطاب المحامين.
الزياني حمل المسؤولية لرئاسة مجلس النواب باعتبارها الجهة التي أحالت القانون على المحكمة الدستورية، معتبراً أن هذه الخطوة تطرح بدورها أسئلة سياسية ومؤسساتية.
وفي ما يتعلق بالأمر بالتنفيذ، شدد على ضرورة عدم الخلط بين المسطرة وبين موقف الملك، موضحاً أن الملك لم يكن طرفاً في النزاع ولم يتدخل فيه باعتباره حكماً، وأن الأمر بالتنفيذ وقعه رئيس الحكومة بالعطف.
المواطن.. الحلقة التي تدفع الثمن
الأكثر حساسية في الأزمة هو سؤال المواطن: من يدفع ثمن استمرار توقف المحامين؟
الزياني قلب السؤال باتجاه الحكومة، محملاً إياها المسؤولية عن الإضرار بمصالح المواطنين، ومتسائلاً: «ألم تفكر الحكومة في المواطن ومصلحته في هذه التشريعات؟»
وبحسب رئيس الجمعية، فإن الدفاع عن حقوق المواطن كان حاضراً في معارك المحامين السابقة بشأن المسطرة الجنائية والمدنية وحوادث السير وغيرها.
واليوم، يضيف الزياني، فإن الدفاع عن استقلالية المحامي ليس دفاعاً عن فئة مهنية فقط، وإنما عن شروط ممارسة المواطن لحقه في العدالة، معتبراً أن «إضعاف المحامي» سينعكس في النهاية على المتقاضي.
من أرضية مشتركة إلى «انحراف تشريعي»
وتعود جذور المواجهة، وفق رواية الجمعية، إلى مسار تشريعي شهد تراجعاً عن تفاهمات سابقة.
فالزياني لا ينفي أن الحكومة والوزارة استجابتا لعدد من المطالب، لكنه يؤكد أن مقتضيات جديدة أُضيفت خلال مناقشة القانون بمجلس المستشارين، وفي اللحظات الأخيرة، اعتبرها المحامون «خطيرة» وتمس جوهر المهنة.
ومن هنا، يقول الزياني، تحولت المعركة إلى دفاع عن استقلالية المحاماة ومقوماتها.
والانتخابات تقترب.. والأزمة باقية
بين حكومة تستعد لتقديم حصيلتها وبرامجها الانتخابية، ومحامين يعلنون استمرار المواجهة، يدخل ملف العدالة انتخابات 23 شتنبر وهو مثقل بسؤال أكبر من مجرد قانون مهني: من يملك قرار إصلاح العدالة، ومن يتحمل كلفة تعطيلها؟
والأهم أن جمعية المحامين لا تبدو مستعدة لإنهاء المعركة قبل أن تتضح ملامح المرحلة السياسية المقبلة.
فالحكومة الحالية لم تستطع إنهاء الأزمة، والمحامون لم يتراجعوا، ومرفق العدالة هو الذي يوجد الآن في منطقة الضغط.





