
من حماية الحياة الخاصة إلى صون المال العام، تفرض قضية الوزيرة المعفاة نقاشا أوسع حول مسؤولية الأحزاب في اختيار الوزراء، والحاجة إلى قواعد صارمة تمنع تضارب المصالح وتداخل السلطة بالمال، وببساطة نظافة يد المسؤوليين.
بلاغ لم يعلن أسباب القرار
لم يكن إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، بعد يومين فقط من تعيينها، مجرد تعديل عابر في التشكيلة الحكومية.
فقد كشف هذا التطور، الذي جاء عقب تداول معطيات ووثيقة طبية منسوبة إليها، عن خلل أعمق يتعلق بمعايير اختيار الوزراء، ومسؤولية الأحزاب السياسية، وحدود الثقة التي يضعها المواطنون في المؤسسات.
وبحسب البلاغ الرسمي، جاء الإعفاء بطلب من رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، الذي قبله الملك محمد السادس استنادا إلى الفصل 47 من الدستور.
غير أن البلاغ لم يعلن أسباب القرار، ولذلك لا يمكن الجزم بأن الوثيقة المتداولة أو ما أثير بشأن ماضي المعنية هو السبب الرسمي للإعفاء، مهما بدا التزامن بين الواقعتين مثيرا للأسئلة.
وهنا تقتضي أخلاقيات العمل الصحفي التمييز بين الوقائع المؤكدة والتأويلات المتداولة، وعدم تحويل وثيقة منسوبة إلى شخص إلى إدانة، أو التعامل مع معطيات غير مكتملة باعتبارها حقائق قضائية ثابتة.
لكن احترام هذه الضوابط لا يلغي السؤال السياسي الأساسي: كيف جرى اختيار وزيرة لم تستمر في منصبها سوى يومين، وما الذي تكشفه هذه الواقعة عن آليات الترشيح والتدقيق قبل التعيين؟
الحزب مسؤول عن اختياره قبل أن يصبح التعيين مسؤولية الحكومة
تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية أساسية في تقديم المرشحين للمناصب الحكومية. فاختيار الوزراء ليس امتيازا حزبيا أو مكافأة تنظيمية، وإنما قرار يفترض أن يراعي الكفاءة والنزاهة والأهلية القانونية والقدرة على تحمل المسؤولية العمومية.
ومن هذه الزاوية، يجد حزب الاستقلال نفسه أمام أسئلة سياسية مشروعة بشأن مسار اختيار ماديحة خيير واقتراحها للاستوزار. فالحزب الذي يقدم مرشحا لتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام مطالب بأن يوضح المعايير التي اعتمدها، وأن يثبت أن قراراته لا تخضع لمنطق الولاء التنظيمي وحده.
ولا يعني ذلك تحميل الحزب مسؤولية وقائع لم تثبت، أو افتراض علم قيادته بمعطيات بعينها من دون دليل. لكنه يعني أن المسؤولية السياسية عن جودة الاختيارات لا يمكن أن تبدأ بعد وقوع الأزمة، ولا أن تنتهي بمجرد مغادرة المعني بالمنصب.
لقد كان يفترض أن تسبق التعيين مساطر واضحة للتدقيق في الشروط القانونية والمهنية ذات الصلة بالمنصب، مع احترام السرية وحماية المعطيات الشخصية. وإذا تبين وجود تقصير في هذه المساطر، فمن حق الرأي العام أن يعرف أين وقع الخلل، ومن يتحمل مسؤوليته.
والنتيجة السياسية الواضحة أن واقعة التعيين، بصرف النظر عن الأسباب الرسمية للإعفاء، ألحقت ضررا بصورة الوزيرة المعنية وحزبها، وفتحت نقاشا كان يمكن تفادي جانب منه لو كانت معايير الاختيار وإجراءات التحقق أكثر وضوحا وصرامة.
النزاهة ليست ترفا.. بل شرط للثقة في الدولة
تتجاوز القضية حدود شخص الوزيرة المعفاة لتطرح مطلبا أوسع: أن يكون الوزراء، وسائر المسؤولين العموميين، أصحاب يد نظيفة، وأن تقوم ممارسة السلطة على النزاهة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالمسؤولية الحكومية ليست مجرد منصب أو امتياز أو وجاهة اجتماعية؛ إنها تكليف بتدبير مصالح المواطنين، والتصرف في الموارد العامة، واتخاذ قرارات تؤثر في حياتهم ومستقبلهم. ولذلك لا تكفي الكفاءة التقنية وحدها إذا لم تقترن بالاستقامة واحترام القانون وتجنب تضارب المصالح.
وفي المقابل، لا ينبغي اختزال النزاهة في الحياة الشخصية للمسؤول، أو تحويل الشائعات والوثائق الخاصة إلى أدوات للإقصاء. المعيار هو وجود قواعد موضوعية، وتطبيقها على الجميع، والتحقق من الوقائع بالوسائل القانونية، ومساءلة كل من يثبت إخلاله بواجباته.
إن المطلوب ليس محاكمات شعبوية على مواقع التواصل الاجتماعي، بل مؤسسات قادرة على الوقاية من الاختلالات قبل وقوعها، والتحقيق فيها عندما تظهر، وترتيب الآثار القانونية والسياسية المناسبة عند ثبوتها.
المغاربة لا يريدون إعادة إنتاج التجربة الأخنوشية
تأتي هذه القضية في سياق يتسم بحساسية متزايدة لدى الرأي العام تجاه الفساد، وتضارب المصالح، والعلاقة بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية. فقد أصبحت هذه القضايا جزءا أساسيا من النقاش حول الثقة في المؤسسات، وحدود استعمال السلطة، ومدى تكافؤ الفرص بين المواطنين والفاعلين الاقتصاديين.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى استخلاص الدروس من الانتقادات التي رافقت تجربة حكومة عزيز أخنوش، خصوصا ما تعلق بتداخل المصالح الاقتصادية والسياسية، ومخاطر الجمع بين النفوذ العمومي والمواقع المؤثرة في النشاط الاقتصادي.
ولا يعني ذلك أن كل اتهام بالتضارب يثبت فسادا، أو أن كل علاقة بين السياسة والاقتصاد غير مشروعة. لكن تضارب المصالح، حتى عندما لا يثبت أنه أدى إلى منفعة غير قانونية، يمثل خطرا على الثقة العامة إذا غابت قواعد التصريح بالمصالح، والتنحي عن القرارات التي تمس المصالح الخاصة، والرقابة المستقلة، والجزاءات الفعلية.
إن ما يثير القلق هو أن يشعر المواطن بأن القواعد لا تطبق بالصرامة نفسها على الجميع، أو بأن القرب من مراكز القرار يمنح بعض الفاعلين امتيازات لا تتاح للآخرين. ومن هنا، فإن تجاوز الاختلالات التي انتقدت في التجربة السابقة لا يتحقق بتغيير الأسماء أو التشكيلات الحكومية وحده، وإنما بإصلاح القواعد التي تضبط العلاقة بين السلطة والثروة.
قوانين صارمة وواضحة بدل الاكتفاء بردود الفعل
تكشف هذه الواقعة، إلى جانب قضايا تضارب المصالح، عن ضرورة الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء منظومة مؤسساتية للوقاية والمساءلة.
ويقتضي ذلك تعزيز قواعد التصريح بالممتلكات والمصالح، وتحديد حالات تضارب المصالح بدقة، وإقرار واجبات واضحة للتنحي عن القرارات التي تمس المصالح الخاصة، وتقوية استقلالية أجهزة الرقابة، وضمان فعالية تطبيق القوانين المتعلقة بمحاربة الرشوة والإثراء غير المشروع حيثما انطبقت شروطها القانونية.
كما يستدعي الأمر وضع مساطر شفافة لاختيار المرشحين للمسؤوليات الحكومية، تحدد الشروط القانونية والمهنية المطلوبة، وتضمن التحقق منها من دون انتهاك الخصوصية أو تحويل الحياة الصحية والشخصية إلى مجال للتشهير.
فالقانون الفعال ليس الذي يعلن المبادئ فحسب، بل الذي يحدد الالتزامات بدقة، ويسد منافذ استغلال النفوذ، ويوفر آليات مستقلة للتحقيق، ويضمن جزاءات متناسبة عند ثبوت المخالفات، أيا كان موقع المسؤول أو انتماؤه الحزبي.
من إعفاء وزير إلى إصلاح طريقة اختيار المسؤولين
في المحصلة، لا تكمن أهمية قضية ماديحة خيير في سرعة الإعفاء وحدها، ولا في الجدل بشأن وثيقة متداولة، وإنما في ما تطرحه من أسئلة حول مسؤولية الأحزاب والحكومة عن اختيار من يتولون تدبير الشأن العام.
فالحق في الخصوصية والكرامة يظل واجبا لا يجوز المساس به بالتشهير أو الإدانة المسبقة. وفي المقابل، لا يمكن أن تصبح حماية الخصوصية ذريعة لإغلاق النقاش حول معايير التعيين، أو لتعطيل المساءلة السياسية والمؤسساتية.
إن الثقة في الدولة لا تُبنى بالقرارات السريعة وحدها، بل بنزاهة الاختيارات، ووضوح القواعد، والمساواة أمام القانون، والفصل الفعلي بين السلطة والمصلحة الخاصة.
وإذا كان إعفاء الوزيرة قد أنهى وجودها في الحكومة، فإنه لا ينهي الأسئلة التي أثارتها الواقعة. فالمطلوب اليوم هو ألا تتكرر مثل هذه الأزمات بسبب ضعف التدقيق أو غموض المعايير، وألا تظل محاربة الفساد شعارا سياسيا يستحضر عند الحاجة ثم يتراجع عند اختبار المصالح.
المغرب في حاجة إلى مسؤولين نزهاء، وأحزاب تتحمل مسؤولية اختياراتها، وقوانين صارمة تمنع تضارب المصالح وتداخل السلطة بالمال. فالمناصب العمومية ليست ملكا للأحزاب، والثقة الشعبية ليست شيكا على بياض، والنزاهة ليست مطلبا أخلاقيا فحسب، بل شرط أساسي لاستعادة الثقة في المؤسسات.





