
رفعت الجمعية المغربية لحماية المال العام، عبر مكتبها الجهوي مراكش الجنوب، شكاية رسمية إلى رئاسة النيابة العامة بالرباط، تطالب فيها بفتح تحقيق معمق وشامل حول شبهات اختلاس وتبديد المال العام، واستغلال النفوذ، وتكوين شبكة إجرامية، مرتبطة بتنزيل البرنامج الملكي “مراكش الحاضرة المتجددة” الذي رُصدت له ميزانية ضخمة تقارب 6.3 مليار درهم.
الشكوى، التي وضعت بين يدي رئيس النيابة العامة بتاريخ 26 نونبر الجاري ، تسرد معطيات تفصيلية تقول الجمعية إنها مدعومة بوثائق، وتتعلق بمشاريع كبرى نُفذت في إطار البرنامج الملكي، من بينها مشروع المحطة الطرقية الجديدة بحي العزوزية، ومشروع إعادة تأهيل “دار زنيبر”، ومدينة الفنون والإبداع، إضافة إلى مشروع نافورة ساحة القزادرية بملاح مراكش.
أدوار متعددة ومسؤوليات متقاطعة
حسب مضمون الشكاية، فإن أحد المنتخبين السابقين الذي شغل مهام متعددة في مراكش من بينها نائب أول للعمدة ورئيس لجنة الصفقات الخاصة بمؤتمر كوب 22 كان مكلفا بتتبع البرنامج الملكي، في وقت تشير فيه الوثيقة إلى تشابك علاقات مالية وتجارية بينه وبين مسيرين لشركات استفادت من عقود متصلة بمشاريع البرنامج.
وتتحدث الشكاية عن تأسيس شركات برأسمال ضعيف لا يتجاوز في الغالب 100 ألف درهم، أو بلا سوابق استثمارية، لتنال مشاريع تفوق قيمتها 50 مليون درهم للاستثمار، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشرا يدعو إلى فتح تحقيق في مصدر الأموال، وطريقة الإسناد، ومدى احترام قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص.
شركات صورية وعقارات عمومية بأثمان زهيدة
تكشف الوثيقة عن حالات كراء لعقارات عمومية بمساحات شاسعة وواجبات كرائية وصفتها الشكاية بـ”الرمزية”، مقارنة بقيمة العقار وموقعه الاستراتيجي، خاصة قرب المحطة الطرقية الجديدة، مقابل التزامات استثمارية مرتفعة لم يتم تنفيذها على أرض الواقع.
كما تشير الشكاية إلى تأسيس شركات تزامنا مع الإعلان عن برنامج “مراكش الحاضرة المتجددة”، وتسجيلها في نفس العناوين، ووجود معاملات مالية بين مسيريها وأشخاص ذوي نفوذ سياسي، وهو ما اعتبرته الجمعية قرائن على وجود شبكة مصالح لا علاقة لها بحسن تدبير المال العام.
“دار زنيبر”من معلمة ثقافية إلى “لغز مالي”
ومن أبرز ما ورد في الشكاية، مشروع “دار زنيبر” الذي كان يفترض أن يتحول إلى قطب ثقافي لفنون الطبخ المغربي، فوق عقار تابع لوزارة الثقافة منذ سنة 1974.
إلا أن الجمعية تحدثت عن تفويتات متتالية للشركة المستفيدة، وعقود تسيير حر مخالفة لبنود عقد الكراء مع الدولة، ثم فتح مسطرة التسوية القضائية لشركة المالكة في توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام حول مصير الأموال المستثمرة، ومن استفاد من عائدات التسيير.
نافورة بسبعين مليونا دون أثر تنموي
ضمن الوقائع المثيرة التي أثارتها الشكاية أيضا، مشروع نافورة ساحة القزادرية الذي رُصد له حوالي 70 مليون درهم، رغم توقف الأشغال، وظهور النافورة بشكل مشوه لا يليق بموقع تاريخي في قلب المدينة العتيقة، مع بقاء مرافق سياحية مغلقة منذ أزيد من عشر سنوات، دون أي تفسير رسمي.
مطالب ببحث شامل لا يستثني أحدا
الفرع الجهوي للجمعية لم يكتف برصد الاختلالات، بل طالب صراحة بتكليف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للتحقيق مع جميع المتدخلين في البرنامج، والاستماع إلى كل من له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالملف، سواء من منتخبين، أو مسيرين لشركات، أو مسؤولين إداريين، مع التحقق من، طرق إسناد الصفقات، ومبررات تفويت العقارات، ومصادر الأموال المستثمرة، والدوافع وراء تأسيس شركات “عند الطلب” اضافة الى شرعية عقود التسيير الحر، ومآل المشاريع المتعثرة أو المتوقفة.
من التنمية إلى المساءلة
برنامج “مراكش الحاضرة المتجددة” انطلق بشعار التنمية المستدامة، والرفع من جاذبية المدينة سياحيا وثقافيا، وتحسين شروط العيش، لكنه – وفق مضمون الشكاية – تحول في أجزاء منه إلى واجهة لاستغلال النفوذ، وتضخيم الفواتير، وتفويت المرفق العام، على حساب حق الساكنة في التنمية.
وبين طموح المشاريع المعلنة وواقع الأوراش المتوقفة، يعود السؤال بقوة
هل كانت “مراكش الحاضرة المتجددة” مشروعا للتنمية… أم فرصة ذهبية للاغتناء غير المشروع؟
الرأي العام يترقب… والكرة في ملعب القضاء
وجدير بالذكر أن هذه الشكاية الثقيلة تضع رئاسة النيابة العامة أمام اختبار حقيقي في ملف يرتبط بالمال العام، وبثقة المواطن في دولة المؤسسات. فتح تحقيق شفاف ونزيه قد لا يضمن فقط إنصاف مراكش، بل يبعث رسالة قوية مفادها أن لا أحد فوق المساءلة.
“دابا بريس” ستواصل تتبع هذا الملف، وستوافي قراءها بكل المعطيات الرسمية حال صدورها.




