
°بقلم بثينة المكودي
في الوقت الذي يُفترض فيه أن يشكّل نظام التغطية الصحية الشاملة رافعة للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج، تكشف المعطيات الميدانية أن نظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض الخاص بالعمال غير الأجراء (AMO-TNS) يعيش أعطاب بنيوية تُفرغه من مضمونه الاجتماعي، وتحوّله في كثير من الحالات إلى سياسة ورقية لا تمسّ واقع المواطنين إلا عرضا.
فبدل أن يكون هذا الورش الاجتماعي أحد أعمدة الدولة الاجتماعية، كما بشر به رسميا، صار عنوان لإعادة إنتاج الفوارق المجالية والطبقية في الاستفادة من الحق في الصحة، حيث تختلف جودة العلاج بحسب القدرة على الأداء، ويتباين مستوى الخدمات بين القطاعين العام والخاص بشكل فاضح، وكأننا إزاء نظامين صحيين لا نظام واحد.
فجوة الخدمات… حين يصبح “الحق في العلاج” رهيناً بالقدرة على الدفع
رغم توحيد أنظمة التأمين شكلياً، فإن الواقع الصحي يكشف استمرار هشاشة العرض الصحي العمومي، مقابل توسّع مقلق للقطاع الخاص الذي تحوّل في كثير من الأحيان إلى البديل الإجباري لا الاختياري، بسبب ضعف الإمكانيات في المستشفيات العمومية، من حيث التجهيزات، والموارد البشرية، وجودة الاستقبال.
الأدهى من ذلك أن المستفيدين من نظام AMO-TNS يُفاجؤون في أغلب الحالات بأن تغطيتهم الصحية لا تقيهم فعلياً من النفقات الثقيلة، إذ يجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى أداء مبالغ إضافية خارج أي تعويض فعلي، ما يجعل التأمين بلا معنى عملي حين يتعلق الأمر بالأمراض المكلفة أو العلاجات المزمنة.
فوضى الأسعار… حين يتحول العلاج إلى سلعة
تعاني المنظومة الصحية من غياب مراقبة حقيقية لأسعار الخدمات الطبية، سواء داخل المصحات الخاصة أو المختبرات أو عيادات التشخيص، حيث يُترك المواطن لمزاج السوق، وتُفرض عليه تسعيرات لا تعكس القدرة الشرائية لغالبية المهنيين الصغار والمستقلين، من حرفيين وتجار وسائقين وغيرهم.
هذا الواقع يكرس منطق “العلاج حسب الطبقة”، ويحوّل نظام التغطية الصحية إلى وسيلة للفرز الاجتماعي بدل أن يكون آلية للإدماج والعدل.
المستشفى العمومي… الحلقة الأضعف
رغم الخطاب الرسمي حول تأهيل المنظومة الصحية، ما تزال أغلب المستشفيات العمومية تعاني من ضعف مواردها البشرية والتقنية، وخصاص مهول في الأجهزة الطبية، واكتظاظ يفتح الباب يومياً أمام مشاهد تمسّ كرامة المرضى.
وتكشف الأرقام المتداولة أن أكثر من 70% من الأطباء يتركزون في القطاع الخاص، وهو ما يُنزف المستشفى العمومي من كفاءاته، ويُحوّله إلى فضاء اضطراري للفقراء فقط، بينما يستفيد الميسورون من خدمات القطاع الخاص بجودة وسرعة أعلى.
إصلاح التغطية الصحية… مدخل لإصلاح الدولة الاجتماعية لا لتجميل صورتها
ويرى متتبعون إن إصلاح نظام AMO-TNS لا يجب أن يختزل في تعميم التسجيل أو توحيد الصناديق، بل يستدعي إعادة النظر في منظومة التعويضات، وضبط أسعار الخدمات الطبية، وتأهيل جدي للمستشفى العمومي، مع مراقبة صارمة للقطاع الخاص، مع ربط الدعم العمومي بجودة الخدمات لا بعدد المنخرطين فقط.
فالتغطية الصحية ليست رقما في تقرير حكومي، ولا شعار انتخابي، بل حق دستوري له كلفة سياسية وأخلاقية، وليس فقط مالية.
من دولة الإحصاء إلى دولة الإنصاف
إن الرهان اليوم ليس هو كم عدد المسجلين في أنظمة التأمين، بل كم مواطن استطاع فعلا أن يتعالج بكرامة، وكم أسرة لم تضطر إلى الاقتراض أو التفريط في ممتلكاتها لتؤمّن علاج فرد منها.
فالدولة الاجتماعية لا تقاس بالمراسيم، بل بالنتائج، ولا تُختزل في البرامج، بل تُختبر في المستشفيات.




