الرئسيةثقافة وفنوندابا tv

امرأة من شنغهاي: المتاهة البصرية والخذلان المجتمعي في سينما ويلز

يمثل فيلم “امرأة من شنغهاي” The Lady from Shanghai ذروة تجريبية في مسار أورسون ويلز الذي أخرجه برؤية جمالية متمردة على المعايير السردية والبصرية لعصره.

بقلم الإعلامي والكاتب: عزيز كوكاس

فالفيلم انعكاس سينمائي لقلق الإنسان الحديث أكثر منه قصة خيانة وجريمة، بنية متاهة تشكّك في الذات، الحقيقة والواقع ذاته. من خلال اختراق السرد الخطي وتفكيك ثنائية الخير والشر واعتماد تصوير بصري بالغ الجدة، جعل من الفيلم تجربة فنية تتجاوز نَصّها وتنتقد العين التي تشاهد الشخصيات وهي تتحرك.

ينقل الفيلم الجمهور من شوارع مدينة نيويورك إلى البحار المفتوحة

هذا التألق في فيلم Orson Welles الصاخب والمثير من الميلودراما الجديدة من عام 1947، راجع لشخصية المخرج كما للسيناريو المحبوك بفنية عالية حيث ينقل الجمهور من شوارع مدينة نيويورك إلى البحار المفتوحة، إلى قاعة محكمة متوترة ثم إلى منزل غريب من المرايا.

يمكن القول إن هذا هو أفضل أداء تمثيلي لويلز، مسرحي رومانسي، مع الدفء والذكاء وكاريزما خالصة. يلعب دور أوهارا بحار وتاجر إيرلندي تم إغراؤه ليصبح جزءا من طاقم يخت فاخر متجه من نيويورك إلى سان فرانسيسكو تابع للمحامي الثري بانيستر (إيفريت سلون)، بعد أن وقع في حب زوجته الشابة إلزا (ريتا هايورث)، امرأة جميلة مع ماضٍ مظلل في الشرق الأقصى الذي من الواضح أن بانيستر ابتزها بسببه للزواج منها.

سرعان ما يتم وضع أوهارا في مأزق مؤامرة قاتلة تم إعدادها بواسطة شريك بانيستر، منذ البداية يتضح للمشاهد أن هناك قاتلا مأجورا بين الجماعة، لكن اللغز الحقيقي يتلخص فيمن يريد قتل من ولأي سبب؟ الجميع على اليخت يكرهون بعضهم البعض، ويحاول كل منهم إغراء البحار للقيام بالعمل القذر من أجلهم بمبلغ ضخم من أموال التأمين.

يخلق ويلز طلاقة وغرابة تشبه الحلم، على الرغم من أن الفيلم ليس سرياليا، جنبًا إلى جنب مع نغم مالح من الكوميديا السوداء وتيار عال من العذاب والرغبة بين أوهارا وإلزا التي لها طاقة جاذبية لا تقاوم.

“امرأة من شنغهاي” فيلم مقتبس من رواية “إذا مت قبل أن أستيقظ” للكاتب شيروود كينج. فيلم مختلف بامتياز. اعتبر من الناحية الفنية ثورة في هوليود أقامها أورسن ويلز. حبكته جد معقدة وغامضة لأن دوافع الشخصيات الرئيسية فيه تصبح متشابكة إلى درجة حجب الاستمرارية.

أورسون ويلز كمخرج ممثل: تشظي الذات داخل النص

يبني ويلز شخصية مايكل أوهارا وفق خطوط تراجيدية غائمة: بحار إيرلندي ينجرف نحو علاقة مريبة مع امرأة غامضة، دون أن يدرك أنه يسير نحو فخ قاتل. لا يبدو البطل ضحية بريئة بل مزيج من السذاجة والذنب، وكأن الفيلم بأكمله يدور داخل تردداته النفسية المضطربة. تنخرط الشخصية في اللعبة وهي تشكّ فيها، وتروي القصة كأنها تريد التبرؤ منها. هذا الراوي غير الموثوق هو أحد أعمدة بناء الفيلم الرمزي.

أعاد ويلز تقديم زوجته آنذاك، ريتا هيوارث، بشكل مغاير تمامًا لنجوميتها اللامعة، غيّر شعرها الأشقر وصوّرها بإضاءة قاتمة، ليحولها من رمز للإغراء الهوليودي إلى علامة على الخيانة، الغموض والانهيار النفسي. تتجاوز شخصيتها “إلزا بانستر” صورة المرأة الفاتنة لتصبح انعكاسا لعالم لا يمكن الوثوق به، حتى في أجمل وجوهه. تُستخدم كآلية لبث الشك: هل تحب مايكل؟ هل تخدعه؟ هل هي ضحية أم جلاد؟ الجواب لا يُعطى أبدًا، لأن الفيلم لا يقدم شخصيات بل أوهامًا تتكسر على طول مسار الحكاية.

متاهة المرايا، الظلال والهندسة البصرية

إذا كان فيلم Citizen Kane قد أدخل العمق البصري والزاوية المنخفضة إلى لغة السينما، فإن فيلم “امرأة من شنغهاي” وسّع الرهان وخلق متاهة بصرية تحاكي متاهة السرد. أبرز مثال على ذلك مشهد المرايا في نهاية الفيلم، الذي أصبح أحد أكثر المشاهد تحليلًا في تاريخ السينما واكتسب عبرها فيلم “امرأة من شنغهاي” شعبية كبرى، تم بناء قاعة المرايا بشكل متقن على خلفية حيث استخدمت أكثر من 100 مرايا زجاجية.

تم وضع الإطارات فوق بعضها البعض، تم تدمير المرايا وفق رؤية ويلز الإبداعية، توجه المرايا نفسها بالقوة إلى مواقعها من إطلاق النار، وأي شخص يدخل إلى بيت الزجاج هذا، تصبح نظرته للحقيقة والواقع مشوهة.

محاصرين في رؤى سريالية شبيهة برؤية ذروة فيلمهم، سيواجه الضحايا صعوبة في المناورة داخل الحدود ويفقدون ببطء إحساسهم بالتوجه. يمكن الخروج من المتاهة على اللوحة المميزة بفتحتين من الرصاص، والتي لا تشوهها المرايا التي هي أشبه بطبقات الخداع والتمويه..

في قلب فيلم “امرأة من شنغهاي” تقف قاعة المرايا كجوهر رمزي للفيلم بأكمله. لا يتعلق الأمر هنا بمشهد ذي طابع تشويقي فقط، بل ببنية سردية بصرية تعكس فكر ويلز حول الإدراك، الهوية، والحقيقة. مرايا تُضلّل، لا تعكس الواقع ولكنها تفككه، تبدو كانعكاس مأزوم لذاتٍ لا تعرف وجهها الحقيقي. حيث كل شيء يعكس كل شيء، ولا أحد يعرف من هو بالضبط ولا من يقتل من.

تبدو المرايا عند أورسون ويلز بعيدة عن وظائفها الطبيعية كزينة داخلية أو ديكور جماليً، إنها أداة تهشيم بصري عندما يدخل مايكل أوهارا قاعة المرايا رفقة إلزا وبانستر، يصبح المشاهد هو الآخر جزءاً من الانعكاس، تائها داخل أنظمة بصرية تتضاعف وتتناثر بلا مركز.

https://www.youtube.com/watch?v=C_FTmZ0Y_hw

كل شخصية في المشهد الأخير ترى نفسها ولكن لا تعترف بها. كل رصاصة تُطلق لا تصيب جسدًا مباشرا بل تمرّ عبر نسخة أو قناع أو صورة مضاعفة. تطلق إلزا النار على زوجها، لكن في انعكاس. ثم يُقتل الاثنان داخل قاعة لا توجد فيها حدود بين الذوات وصورها. مايكل الشاهد/الراوي، هو أيضًا ضائع، لا يعرف من يطلق النار بل يراقب المسرح الدموي من موقع العاجز.
الهوية في سينما ويلز بنية مفتوحة لا نهائية تتكسر باستمرار. هذا ما يجعل ويلز سابقًا لزمانه، فهو يستبق فكرة “العين المخدوعة”، التي تطورت لاحقًا في أعمال بودريار وفوكو، حيث تُصبح الرؤية نفسها جزءًا من النظام القمعي أو الخداعي. قاعة المرايا، بهذا المعنى، تشكل نقدًا بنيويًا لصنعة السينما ذاتها فهي فضاء بلا أصل، حيث لا يوجد “واقعي”، بل فقط صور تتصارع.

نقد الرأسمالية والأخلاق القضائية

يمرر ويلز، تحت غطاء الجريمة، نقدًا لاذعًا للطبقة الأرستقراطية الأمريكية، المتمثلة في زوج إلزا، المحامي الغني المحتال ومحيطه المليء بالفساد والذي يُظهر أن العدالة نفسها لعبة قذرة تُباع وتُشترى.
تتحول المحكمة، في الفيلم، من مجال لكشف الحقيقة إلى مسرح يتلاعب فيه الجميع بالقانون، وتضيع البراءة بين محامين يترافعون باسم الربح، ويظل مايكل، البطل، غريبًا وسط هذه الدوامة القانونية/الأخلاقية.

تفكيك الإطار التقليدي: اللازمن واللامكان

في زمن كانت فيه الأفلام تعتمد على السرد الخطي، اختار ويلز في “امرأة من شنغهاي” اللعب بالزمن والمكان. فلا مشاهد افتتاحية تقليدية ولا وضوح في الدوافع، نجد أنفسنا أمام عالم مفتوح على كل الاحتمالات: كأن الفيلم ذاته مرآة مشروخة لا تعكس إلا الغموض. يبدأ السرد من المنتصف ويعود إلى الوراء، ويتقدم ثم يعود ليشكك فيما رُوي. يتحول المكان، من بحر هادئ إلى محكمة إلى قاعة مرايا، كأن الشخصية لا تتحرك في الجغرافيا بل تغوص في وعيها الخاص.

يعتبر فيلم “امرأة من شنغهاي” تجربة ذهنية في انعدام الثقة بالآخر، بالحب، بالعدالة، وبالذات، يحفر أورسون ويلز في طبقات الصورة ليُرينا كم أن الحقيقة هشّة، وكم أن الفن كما المرايا لا يعكس الواقع بل يكسره وكأن أورسون ويلز أراد أن يقول: لا تثقوا في أعينكم، فقد تكون هي أول من يخون. تختزل مقولة مايكل الأخيرة في الفيلم جوهر هذه الرؤية: “ربما كنت أظن أني أعرف، لكن الحقيقة شيء آخر. لا أعرف إن كنت قد عرفت يومًا ما الذي حدث.”

ترقبوا في الحلقة القادمة من “نافذة على أفلام من روائع السينما” مع فيلم: “المواطن كين” أسطرة السلطة وضياع الحقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى