
حين وحد اغتيال حشاد غضب المغرب والمغرب الكبير
يحيي المغرب، يومي 7 و8 دجنبر 2025، الذكرى الثالثة والسبعين لانتفاضة دجنبر 1952، الحدث الذي يعتبر واحداً من أبرز محطات الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي.
جاء هذا الحراك الشعبي بعد اغتيال القائد النقابي التونسي فرحات حشاد يوم 5 دجنبر 1952، وهو القيادي المؤسس للاتحاد العام التونسي للشغل وأحد أبرز الأصوات المناهضة للاستعمار في شمال إفريقيا.
شكلت عملية اغتياله الشرارة التي فجرت غضب الشارع المغربي، فخرجت الدار البيضاء في مظاهرات غير مسبوقة من حيث الحجم والزخم، تحولت سريعا إلى انتفاضة وطنية شاملة.
خلفيات سياسية وسياق إقليمي ملتهب
شهدت المنطقة المغاربية بداية الخمسينيات تصاعدا ملحوظا في الاحتجاجات المناهضة للاستعمار الفرنسي. وكان اغتيال فرحات حشاد، المناضل الذي ربط بين القضية النقابية والحرية السياسية، بمثابة نقطة التحوّل التي كشفت حدود السياسة الفرنسية في المنطقة، وأظهرت عزم الشعوب المغاربية على انتزاع استقلالها.
في المغرب، كان الوضع السياسي مشحونا بسبب تضييق سلطات الحماية على النشاط الوطني ومحاولاتها تقويض مكانة السلطان محمد الخامس، ما جعل المزاج العام قابلاً للاشتعال عند أول حدث يعزز الشعور بالمظلومية المشتركة.
شرارة الغضب… من تونس إلى الدار البيضاء

بعد إعلان خبر الاغتيال، خرجت في الدار البيضاء مظاهرات حاشدة بدعوة من الحركة الوطنية والنقابات المغربية، تضامناً مع الشعب التونسي وتنديداً بالاستعمار الفرنسي. سرعان ما تحوّلت هذه المظاهرات إلى مواجهات عنيفة بعد تدخل القوات الفرنسية بالرصاص والغازات المسيلة للدموع، لتندلع انتفاضة واسعة امتدت ليومين كاملين، تخللتها أعمال قمع شديدة أسفرت عن عشرات الشهداء ومئات الجرحى والمعتقلين.
الدار البيضاء… مدينة تنتفض
مثلت الدار البيضاء، باعتبارها مركزا اقتصاديا صناعيا وملتقى للطبقة العاملة، فضاء مثالياً لاندلاع انتفاضة بهذا الحجم. فقد شارك فيها، العمال والموظفون و التجار والحرفيون، و الشباب وطلبة المدارس، و رجال المقاومة السرية.
وتوزعت المواجهات في عدة أحياء، أبرزها درب ميلا، المدينة القديمة، كاريان سنطرال، درب السلطان، وحي بوشنتوف.
لقد سجل المؤرخون أن القوات الفرنسية استخدمت الرصاص الحي بكثافة في محاولة لوقف تزايد أعداد المحتجين، ما جعل حصيلة الضحايا ثقيلة وغير مسبوقة منذ أحداث 1947.

رد فعل سلطات الحماية
واجه المستعمر الفرنسي الانتفاضة بعنف شديد: إطلاق الرصاص على المتظاهرين، و عمليات اعتقال واسعة، و فرض حظر للتجول، و اقتحام المنازل في أحياء الطبقة العاملة، تشديد الرقابة على الصحف والمنشورات الوطنية، كما استغلت السلطات الأحداث لتكثيف حملاتها ضد قادة الحركة الوطنية، معتبرة أن الانتفاضة ليست مجرد احتجاج عفوي بل جزء من مشروع سياسي لزعزعة الوجود الفرنسي.
انعكاسات الانتفاضة على مسار الحركة الوطنية
أظهرت انتفاضة دجنبر 1952 وحدة المصير بين شعوب المغرب العربي، ورسّخت القناعة بأن التحرر من الاستعمار لن يكون إلا بالنضال المشترك. وكانت للانتفاضة آثار عميقة: منها تعزيز مكانة الحركة الوطنية داخل المغرب وخارجه، و تقوية روابط التضامن المغاربي خصوصاً مع تونس والجزائر، كما تزايد العمل المسلح والعمليات الفدائية داخل المدن، و تحول الرأي العام الدولي تدريجياً لصالح مطالب الشعوب المغاربية.
فرحات حشّاد… رمز يتجاوز الحدود
وُلد حشاد زعيماً تونسياً، لكنه استشهد رمزا مغاربياً. فقد أدركت الشعوب المغاربية أن اغتياله كان استهدافاً لمشروع التحرر بأكمله. لذلك لم تكن انتفاضة الدار البيضاء مجرد تضامن عابر، بل كانت تعبيراً عن وعي سياسي جماعي بأن الاستعمار واحد، وأن مقاومته مسؤولية مشتركة.
إرث الانتفاضة اليوم
بعد 73 سنة، ما تزال انتفاضة دجنبر 1952 حاضرة في الذاكرة المغربية كواحدة من اللحظات التي جسدت: قوة الشارع المغربي، و تلاحم الحركة الوطنية مع القضايا المغاربية، فضلا عن الثمن الباهظ الذي دفعه المغاربة من أجل الحرية والاستقلال، كما يظهر دور الدار البيضاء كمركز نضالي فاعل في مواجهة الاستعمار
وتبقى هذه الذكرى مناسبة لاستحضار تضحيات جيل كامل واجه القمع الاستعماري، وكتب بدمائه جزءاً من تاريخ التحرر الوطني.





