اقتصادالرئسية

إخباري تحليلي..الدولار تحت ضغط تحولات تاريخية

تحرير: جيهان مشكور

عرفت الأسواق المالية العالمية خلال الأشهر الأخيرة مفارقة لافتة؛ فبينما تراجعت أسعار البيتكوين والعملات المشفرة بشكل حاد بعد بلوغها ذروتها التاريخية في أكتوبر الماضي، سجلت المعادن الثمينة والأسهم مكاسب قوية أعادت طرح أسئلة عميقة حول اتجاه النظام المالي العالمي..

فقد هبط سعر البيتكوين من مستوى قياسي ناهز 126 ألف دولار إلى حدود 90 ألف دولار، في وقت قفز فيه الذهب بنحو 20% والفضة بما يقارب 64%، وفق معطيات نشرتها مجلة فوربس.

تحول هيكلي لا مجرد دورة عابرة

لم يُقرأ هذا التباين على أنه تصحيح تقني عادي، بل كمؤشر على تحولات أعمق، حيث لمح سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأمريكي، إلى أن الأسواق بدأت تعكس تغيرات هيكلية تتجاوز منطق المضاربة قصيرة الأجل، وفي الاتجاه نفسه، يرى خبراء أن ارتفاع المعادن الثمينة سنة 2025 يمثل بداية إعادة تموضع استراتيجي للمستثمرين والمؤسسات الكبرى.

المعادن في قلب الجغرافيا السياسية

في هذا السياق، اعتبر رامنيڤاس موندادا، مدير الأبحاث في GlobalData، أن صعود الذهب والفضة هو استجابة مباشرة لتصاعد التوترات الجيوسياسية، وتباطؤ الاقتصاد الأمريكي، واستمرار النزاعات التجارية، إضافة إلى تسارع مساعي تقليص الاعتماد على الدولار، وتوقع أن يحقق الذهب مكاسب إضافية بين 8% و15% خلال 2026، مقابل 20% إلى 35% للفضة، في سياق انتقال تدريجي نحو نظام مالي متعدد الأقطاب.

السياسة النقدية تضيف مزيداً من الغموض

من جهته يستعد دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة، لاختيار رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي، مع ترجيحات بتبني سياسة نقدية أكثر ميلاً إلى خفض أسعار الفائدة.

و عبّر ترامب صراحة عن رغبته في سوق “يكافئ الأخبار الجيدة ويعاقب السيئة” ، ما يعزز المخاوف بشأن مستقبل قوة الدولار.

بيتكوين بين التراجع والفرصة

رغم بريق الذهب والفضة، يرى بعض المحللين أن البيتكوين بات مقوّماً بأقل من قيمته، حيث أشار يويا هاسغاوا من Bitbank إلى أن الفجوة بين أداء الأصول التقليدية والرقمية قد تفتح نافذة فرص جديدة، خصوصاً إذا تعمقت التحولات النقدية العالمية..

وفي خضم هذه الصورة الضبابية، يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة مالية مختلفة، تتراجع فيها هيمنة قطب واحد لصالح توازن أكثر تعقيداً.

يعكس التباين الحاد بين أداء العملات المشفرة من جهة، والمعادن الثمينة والأسهم من جهة أخرى، تحوات في سلوك المستثمرين من البحث عن الربح السريع نحو التحوط وإدارة المخاطر في بيئة عالمية غير مستقرة.

الهيمنة المطلقة للدولار  لم تعد مضمونة

فالذهب والفضة، بوصفهما أصولا تاريخية لحفظ القيمة، يستعيدان مكانتهما مع تصاعد الشكوك حول استدامة النمو الاقتصادي الأمريكي، وتآكل الثقة في أدوات السياسة النقدية التقليدية، خصوصا في ظل مديونية قياسية وعجز مالي متفاقم.

في المقابل، لا يعني تراجع البيتكوين والعملات الرقمية نهاية دورها في المشهد المالي العالمي، بقدر ما يعكس انتقالها إلى مرحلة اختبار حقيقية خارج منطق “الملاذ الآمن البديل” الذي روج له سابقا. فالعملات المشفرة ما تزال شديدة الارتباط بتقلبات السيولة العالمية وشهية المخاطر، ما يجعلها أول المتأثرين بأي تحول في السياسة النقدية أو تصاعد في عدم اليقين.

ومع ذلك، فإن اتساع الهوة بينها وبين الأصول التقليدية قد يشكل فرصة لإعادة تسعيرها ضمن نظام مالي يتجه نحو التعددية القطبية، حيث لم تعد الهيمنة المطلقة للدولار مضمونة، ولا التفوق الحصري للأصول الرقمية محسومًا، بل يخضعان معًا لإعادة ترتيب أعمق لقواعد القوة المالية العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى