
°بقلم بثينة المكودي
سنة كاملة من القرارات، الاحتجاجات، الوعود، والإنجازات المتفاوتة، حيث لم يعد النقاش يدور فقط حول ما تحقق، بل حول من استفاد، ومن ظل خارج الصورة.
سنة لم تكن عادية، لأن الشكل العام لم يكن مستقرا، ولأن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش ظلت حاضرة، أحيانا بصمت، وأحيانا بصوت مرتفع في الشارع
اقتصاد يصمد… لكن الجيوب لا تشعر بالدفء
اقتصاديا، أنهى المغرب السنة بأرقام نمو مقبولة مقارنة بسنوات الجفاف والتقلبات العالمية، وعادت السياحة لتتنفس، وواصلت بعض القطاعات التصديرية صمودها، فيما ظلت الاستثمارات الكبرى حاضرة في الخطاب الحكومي كعنوان للثقة والاستقرار.
لكن خلف هذه المؤشرات، ظل السؤال الشعبي بسيطاً ومؤلما
لماذا لا ينعكس هذا التحسن على القدرة الشرائية؟
الأسعار واصلت ضغطها على الأسر، خاصة في الغذاء، النقل، والسكن، والتطبيب، الطبقة المتوسطة تقلص هامشها، والفئات الهشة بقيت في مواجهة مباشرة مع الغلاء، دون شبكات حماية كافية تشعرها بأن الدولة تقاسمها الكلفة.
في قلب هذا الاختلال، برزت أزمة الفلاح الصغير كأحد أكثر العناوين دلالة على أعطاب النموذج الاقتصادي، ” فسنوات من تنزيل مخطط المغرب الأخضر”، الذي رُوّج له كرافعة للتنمية القروية، انتهت إلى واقع مختلف فلاحون محاصرون بتكاليف الإنتاج، ضعف الولوج إلى الدعم، وشح المياه، في مقابل استفادة الضيعات الكبرى من الامتيازات والعقود والتجهيزات، الزراعة التي كانت تشكل صمام أمان اجتماعي تحولت، بالنسبة لآلاف الأسر القروية، إلى عبء اقتصادي يهدد الاستقرار المعيشي.
ولم يكن إلغاء عيد الأضحى سوى لحظة كاشفة لهذا الاختلال العميق، قرار فرضته الضرورة المرتبطة بندرة القطيع وغلاء الأعلاف، لكنه في العمق عرّى هشاشة سلسلة الإنتاج الفلاحي، وكشف محدودية السياسات العمومية في حماية الفلاح الصغير والمستهلك معا، لحظة اختزلت مفارقة قاسية بلد يصدّر منتوجات فلاحية عالية القيمة، فيما يعجز جزء من مواطنيه عن تأمين أبسط طقوس العيش والتقاليد.
بلد يتحرك… وشباب يسأل “إلى أين؟”
اجتماعيا، كانت السنة شاهدة على تصاعد أسئلة الشباب، بطالة الخريجين، هشاشة الشغل، أعطاب المدرسة العمومية، واكتظاظ المستشفيات، كلها ملفات لم تعد تقبل التسويف.
الاحتجاجات جيل Z التي قادتها فئات شبابية في مدن مختلفة لم تكن انفجار عابر، بل تعبير عن إحساس بالتهميش الرمزي قبل المادي، جيل لا يطلب المعجزات، بل وضوح السياسات، وعدالة الفرص، وإحساسا بأن المستقبل ليس مؤجل إلى أجل غير مسمى، لكنها قوبلت بالرصاص الحي .
حيث أن احتجاجات شباب جيل Z، التي رفعت فيها مطالب اجتماعية مرتبطة بالصحة والتعليم والشغل،ووجهت في بعض المحطات بتدخل أمني وُصف بالعنيف، كما وقع في القليعة، حيث جرى تفريق المحتجين باستعمال الرصاص الحي، وفق ما راج من معطيات ميدانية وشهادات متطابقة، وفي مقابل ذلك، سارع الخطاب الرسمي إلى توصيف ما حدث” بـالشغب”، في قراءة اختزلت الاحتجاج في بعده الأمني، وغيّبت خلفياته الاجتماعية، ما فتح باب التساؤل حول ما إذا كان هذا الوصف توصيفا موضوعيا للوقائع أم آلية لشرعنة تفكيك الاحتجاج وتجريده من مشروعيته.
سياسيا وفي خضم هذا المشهد الداخلي المتقلب، واصلت قضية الصحراء حضورها في الواجهة الدبلوماسية خلال السنة، مع تسجيل تحولات في تعاطي عدد من الشركاء الدوليين مع مقترح الحكم الذاتي الذي يطرحه المغرب منذ سنوات، هذا التقدم، وإن كان يعكس دينامية واضحة على مستوى السياسة الخارجية، ظل محصورا في دوائر القرار والعلاقات الدولية، بعيدا عن النقاش العمومي الواسع.
وبينما تُسجل هذه التطورات كرصيد سياسي للدولة، يظل السؤال مشروع حول أثرها الفعلي في الداخل هل تُترجم إلى تنمية منصفة في الأقاليم الجنوبية؟ وهل تنعكس على الحكامة المحلية، وتقاسم الثروة، وربط المسؤولية بالمحاسبة؟ فالتقدم الدبلوماسي، مهما كانت أهميته، لا يكتمل إلا حين يصبح جزء من نموذج تنموي ملموس، يُقاس بما يعيشه المواطن يوميا، لا بما يقال في البيانات والتصريحات.
أما الأحزاب فبدت بعيدة عن نبض الشارع، والنقاش السياسي فقد جاذبيته لدى فئات واسعة، في وقت انتقل فيه الاحتجاج من قاعات الاجتماعات إلى الفضاء الرقمي والشارع، حيث اللغة أكثر مباشرة وأقل تصالح مع الذات
رياضة ترفع الراية… وتكشف التناقض
رياضياً، شيِّدت الملاعب في مدد زمنية خيالية، وبوتيرة لافتة، في وقت ما زال فيه عدد من ضحايا زلزال الحوز ينتظرون مأوى يقيهم قسوة الفصول، مفارقة قاسية أعادت إلى الواجهة سؤال ترتيب الأولويات، حين يتقدم الاستثمار في الحجر الرياضي على الحق في السكن الآمن
إلا انه لا يمكن التنكر أنها كانت السنة استثنائية، الملاعب امتلأت، التظاهرات الكبرى أعادت المغرب إلى واجهة القارة، والمنتخب الوطني واصل صناعة لحظات فخر جماعي نادرة.
الرياضة منحت المغاربة فسحة أمل، لكنها في الوقت نفسه كشفت مفارقة واضحة، كيف يمكن لبلد أن ينظم تظاهرات عالمية بمعايير عالية، بينما يعجز مواطنوه عن الولوج المتكافئ لخدمات أساسية؟ سؤال لم يكن موجها ضد الرياضة، بل ضد اختلال ترتيب الأولويات.
خلاصة السنة بلد قوي… ومواطن ينتظر الإنصاف
المغرب أنهى سنته وهو أقوى دبلوماسيا، أكثر حضورا قاريا، وأكثر خبرة في إدارة الأزمات، لكنه أنهى السنة أيضا ومواطنيه يطالبون بأكثر من الصمود، يطالبون بالعدالة، وبالوضوح، وبأن يشعروا أن هذا البلد يسير بهم لا عنهم.
نهاية السنة ليست لحظة احتفال فقط، بل لحظة محاسبة هادئة لأن الدول لا تقاس فقط بما تحققه في الخارج، بل بما يشعر به مواطنوها في تفاصيل حياتهم اليومية.
وحده هذا الميزان هو ما سيحدد إن كانت السنة المقبلة امتداد للأمل… أم إعادة تدوير للأسئلة نفسها.




