
تحرير: بوثينة المكودي
أعلن البنك الأوروبي للاستثمار عن تعبئة الشطر الثاني من تمويل إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز بقيمة 500 مليون أورو، ما يرفع إجمالي مساهمته إلى مليار أورو، أي ما يفوق 11 مليار درهم، في واحدة من أكبر عمليات الدعم المالي الدولي الموجهة لإعادة بناء المناطق المنكوبة منذ زلزال شتنبر 2023.
وجرى الإعلان عن التمويل الجديد خلال لقاء احتضنته وزارة الاقتصاد والمالية بالرباط بحضور مسؤولين مغاربة وأوروبيين، إيذانا بدخول برنامج إعادة الإعمار مرحلة جديدة وصفها البنك الأوروبي للاستثمار بمرحلة “التنزيل واسع النطاق”.
تمويل جديد للبنيات الأساسية
وأوضح البنك الأوروبي للاستثمار أن التمويل الجديد سيخصص لإعادة بناء وتأهيل الطرق والمدارس والمؤسسات الصحية بالمناطق الأكثر تضررا، وفق معايير جديدة تراعي مقاومة الزلازل والنجاعة الطاقية.
وقال إيوانيس تساكيريس، نائب رئيس البنك الأوروبي للاستثمار: “من خلال هذا الشطر الثاني بقيمة 500 مليون أورو، يرفع البنك التزامه المالي لإعادة بناء مناطق الأطلس الكبير المتضررة من الزلزال إلى مليار أورو. وسيمكن هذا التمويل من بناء بنيات تحتية أساسية أكثر أمانا واستجابة لحاجيات الساكنة”.
فيما يرى الخبير الاقتصادي عمر الكتاني أن تعبئة تمويلات دولية إضافية إذا كانت تعكس ثقة المؤسسات المالية الدولية في قدرة المغرب على تدبير ورش الإعمار، لكن يظل التحدي الحقيقي في سرعة التنفيذ وقياس الأثر المباشر لهذه الاستثمارات على الساكنة المحلية.
تمويلات ضخمة.. لكن أين صرفت مليارات الدراهم؟
يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة تداولا بين المتضررين والمتابعين لملف إعادة الإعمار. فإلى جانب بناء وتأهيل المساكن، تؤكد السلطات أن الأموال المرصودة وُجهت كذلك إلى إصلاح المؤسسات التعليمية والمراكز الصحية والطرق وشبكات الماء والكهرباء، فضلا عن تمويل عمليات الإيواء المؤقت وإزالة الأنقاض والتدخلات الاستعجالية التي أعقبت الكارثة.
كما أن البرنامج الوطني لإعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من الزلزال، الذي خصصت له الدولة غلافا ماليا يناهز 120 مليار درهم على مدى خمس سنوات، لا يقتصر على إعادة بناء المنازل فقط، بل يشمل مشاريع تنموية واقتصادية واجتماعية واسعة النطاق تهدف إلى إعادة تأهيل المنطقة بشكل شامل.
وهو ما كان أكده،نزار بركة، وزير التجهيز والماء، في تصريحات سابقة حول ورش إعادة الإعمار، حيث قال إن “التحدي الأكبر لا يقتصر على إعادة بناء المنازل، بل يشمل إعادة تأهيل البنيات الأساسية وفك العزلة عن الدواوير الجبلية بما يضمن استدامة التنمية بالمناطق المتضررة”.
بدوره، كان اعتبر عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، أن “نجاح برامج إعادة الإعمار يقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وتحسين الخدمات الأساسية، وليس فقط بحجم التمويلات المعبأة”، مشدداً على أهمية الحكامة والشفافية في تدبير المشاريع الكبرى.
بدوره، كان أكد أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أن “الاستثمار في المناطق المتضررة ينبغي أن يشكل فرصة لإرساء نموذج تنموي أكثر إنصافاً وقدرة على مواجهة الكوارث الطبيعية مستقبلاً”.
أين وصلت عملية إعادة البناء؟

تشير الأرقام الرسمية إلى تحقيق تقدم مهم في وتيرة الأشغال مقارنة بالسنوات الأولى بعد الكارثة، فقد أفادت معطيات رسمية بأن أكثر من 51 ألف منزل من أصل نحو 60 ألفا متضررا تمت إعادة بنائها أو تأهيلها، فيما تتواصل الأشغال في ملفات أخرى ما تزال قيد الإنجاز.
وأكد سعيد الليث، المدير العام لوكالة تنمية الأطلس الكبير، أن المشاريع المتعلقة بالمؤسسات التعليمية والصحية والبنيات التحتية تعرف تقدما ملحوظا، مشيرا إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان استفادة الساكنة من خدمات مستدامة تستجيب لحاجياتها اليومية.
لكن جمعيات محلية وفعاليات مدنية تقدم صورة مختلفة في بعض المناطق، حيث تؤكد أن عددا من الأسر لا يزال يعيش أوضاعا هشة، وأن بعض المتضررين لم يتمكنوا بعد من استكمال بناء مساكنهم أو العودة إلى ظروف عيش طبيعية.
لماذا تأخرت إعادة بناء بعض المنازل والبنيات الأساسية؟
يرى متتبعون أن التأخر المسجل في بعض المناطق يعود إلى عوامل متعددة، أبرزها وعورة التضاريس الجبلية وصعوبة الوصول إلى عدد من الدواوير المتضررة، إضافة إلى اعتماد معايير جديدة للبناء المقاوم للزلازل تتطلب دراسات تقنية وإجراءات إضافية قبل انطلاق الأشغال.
كما ساهمت مشاكل مرتبطة بالوثائق العقارية وبعض الملفات الإدارية، فضلا عن ارتفاع أسعار مواد البناء وتكاليف النقل، في إبطاء وتيرة الإنجاز بالنسبة لعدد من الأسر.
في المقابل، تعتبر هيئات حقوقية أن بعض التأخير لا يمكن تفسيره فقط بالعوامل التقنية والجغرافية، بل يرتبط أيضا ببطء المساطر الإدارية وضعف التواصل مع المتضررين في بعض المراحل، داعية إلى تسريع معالجة الملفات العالقة وتبسيط الإجراءات.
في السياق ذاته، كان محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام، دعا إلى “تعزيز آليات التتبع والمراقبة ونشر المعطيات المرتبطة بالاعتمادات المالية المخصصة للإعمار، بما يضمن ترسيخ الثقة وتكريس مبادئ ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
كما قال الحقوقي والفاعل المدني عبد الإله بنعبد السلام في نفس السياق، إن “المتضررين لا يقيسون نجاح البرنامج بحجم المليارات المعلنة، وإنما بمدى قدرتهم على العودة إلى حياة طبيعية والحصول على السكن والخدمات الأساسية في آجال معقولة”.
هل تكشف معاناة الضحايا عن اختلالات في تدبير أموال الإعمار؟

إلى حدود الساعة، لم تصدر أي تقارير رسمية أو قضائية تثبت وجود اختلاسات أو سوء تدبير ممنهج للأموال المخصصة لإعادة الإعمار، غير أن استمرار معاناة جزء من المتضررين بعد سنوات من الكارثة يثير تساؤلات مشروعة حول فعالية الحكامة وآليات التتبع والتقييم.
وترى فعاليات حقوقية أن الإشكال قد لا يتعلق بالضرورة بتبديد الأموال، بقدر ما يرتبط أحيانا ببطء التنفيذ وتعقيد الإجراءات وضعف التنسيق بين بعض المتدخلين، ولذلك تتزايد الدعوات إلى نشر تقارير دورية مفصلة حول حجم الاعتمادات المصروفة ونسب الإنجاز ومآل المشاريع المبرمجة في مختلف المناطق المتضررة.
كما تؤكد هذه الهيئات أن تعزيز الشفافية والتواصل مع الساكنة من شأنه أن يبدد الشكوك ويعزز ثقة المواطنين في هذا الورش الوطني الكبير
مسؤولون يتحدثون عن تقدم الأشغال
من جانبه، أكد سعيد الليث، المدير العام لوكالة تنمية الأطلس الكبير، أن الأشغال تشهد تقدما ملموسا على مستوى المؤسسات التعليمية والصحية والبنيات التحتية الخاصة بفك العزلة.
وقال الليث إن الزيارات الميدانية الأخيرة مكنت من الوقوف على “التقدم المحرز بشكل ملموس في المناطق المتضررة، خاصة على مستوى المؤسسات المدرسية والبنيات الصحية والبنيات التحتية الخاصة بفك العزلة”، مضيفا أن التحدي الأساسي يتمثل في ضمان الولوج المستدام للساكنة إلى الخدمات الأساسية.
كما كشف البنك الأوروبي للاستثمار أن البرنامج دخل حاليا مرحلة التنفيذ الواسع بعد المرور من مرحلة التدخلات الاستعجالية وإزالة الأنقاض والإيواء المؤقت إلى مرحلة إعادة البناء المهيكل للمرافق العمومية والخدمات الاساسية .
لكن أين يشعر المتضررون بنتائج هذه المليارات؟
رغم المؤشرات الرسمية ، ما تزال أصوات عديدة من المناطق المنكوبة تتحدث عن معاناة مستمرة وتأخر في استكمال إعادة بناء عدد من المنازل، خاصة في القرى الجبلية النائية.
وتشير معطيات رسمية نقلتها وكالة رويترز إلى أن أكثر من 51 ألف منزل من أصل نحو 60 ألفا متضررا تمت إعادة بنائها أو تأهيلها، فيما تؤكد السلطات أن نسبة الملفات التي لم تنطلق فيها الأشغال لا تتجاوز 4 في المائة.
غير أن عددا من المتضررين وجمعيات المجتمع المدني يعتبرون أن هذه الأرقام لا تعكس دائما واقع الأسر التي لا تزال تواجه صعوبات في استكمال البناء أو العودة إلى حياة طبيعية.
ونقلت وكالة رويترز عن بعض السكان أن قيمة الدعم المخصص للبناء لم تكن كافية لتغطية التكلفة الحقيقية للأشغال، خصوصا مع ارتفاع أسعار مواد البناء وصعوبة النقل في المناطق الجبلية. كما اشتكى بعض المتضررين من طول المساطر المرتبطة بالحصول على التراخيص واستكمال ملفات الاستفادة.
شفافية الإنفاق.. السؤال الذي يفرض نفسه
ومع الإعلان عن ضخ 5.4 مليار درهم إضافية، يعود إلى الواجهة السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين كيف يتم تتبع وإنفاق الأموال المخصصة لإعادة الإعمار؟
ورغم التأكيدات الرسمية بشأن التقدم المحرز في إعادة الإعمار، ما تزال هيئات حقوقية وجمعيات مدنية توجه انتقادات لتدبير بعض جوانب المرحلة التي أعقبت الزلزال، هذا وتعتبر هذه الهيئات أن عددا من الأسر المتضررة وجدت نفسها أمام مساطر إدارية معقدة للحصول على الدعم أو تراخيص البناء، فيما ظل آخرون ينتظرون الحسم في ملفاتهم لأشهر طويلة.
كما انتقدت فعاليات محلية ما وصفته بـ”التفاوت” في وتيرة إعادة الإعمار بين بعض المناطق، حيث استفادت دواوير من تسريع الأشغال وإعادة تأهيل البنيات الأساسية، بينما استمرت مناطق أخرى في مواجهة صعوبات مرتبطة بالعزلة الجغرافية وضعف الولوج إلى الخدمات.
وترى هذه الفعاليات أن نجاح برنامج الإعمار لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المنازل التي تم بناؤها، بل أيضا بمدى استعادة الساكنة لشروط العيش الكريم من تعليم وصحة وطرق وفرص اقتصادية.
دعوات إلى تعزيز آليات الرقابة والتتبع ونشر معطيات أكثر تفصيلا
من جهتها، دعت منظمات حقوقية إلى تعزيز آليات الرقابة والتتبع ونشر معطيات أكثر تفصيلا حول الأموال المرصودة والمشاريع المنجزة، معتبرة أن الشفافية والتواصل المستمر مع المتضررين يشكلان شرطا أساسيا لتعزيز الثقة في هذا الورش الوطني الكبير.
كما شددت على ضرورة الإنصات لشكاوى الساكنة ومعالجة الملفات العالقة بشكل أسرع، حتى لا تتحول معاناة الضحايا إلى أزمة اجتماعية طويلة الأمد.
ويرى متابعون أن تدفق التمويلات الدولية الجديدة، ومنها الشطر الثاني من قرض البنك الأوروبي للاستثمار، يضع الجهات المشرفة على إعادة الإعمار أمام مسؤولية مضاعفة تتمثل في تحقيق النجاعة والسرعة والشفافية، وضمان أن تصل آثار هذه المليارات إلى المواطنين الذين ما زالوا ينتظرون استكمال بناء منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية.
وبينما تتحدث المؤسسات الدولية عن مرحلة جديدة من التنفيذ الواسع، يظل السؤال الأكثر حضورا في قرى الأطلس الكبير هل ستترجم مليارات الإعمار المعلنة إلى واقع ملموس يطوي نهائيا صفحة المعاناة التي خلفها زلزال الحوز؟






