
° تحرير: بثينة المكودي
مع انطلاق السنة الفلاحية الجديدة، واحتفالات “إيض يناير” بما تحمله من رمزية التجدد والارتباط بالأرض، تلقّى أنصار البيئة والمدافعون عن الجغرافيات الهشة في المغرب خبراً وُصف بالمبشّر، بعدما جرى، صباح اليوم، تفكيك ما يُعرف محلياً بـ“ألغام الدلاح” التي زرعتها جهات نافذة بصحراء إقليم طاطا.
الخطوة، التي أعلن عنها الإعلامي رشيد البلغيتي، لا تُقرأ فقط كإجراء تقني أو إداري معزول، بل باعتبارها لحظة مفصلية في مسار طويل من الصراع غير المتكافئ حول الأرض والماء، في واحدة من أكثر مناطق المغرب هشاشة من حيث الموارد المائية والتوازنات البيئية.
حين يتحول الدلاح إلى لغم بيئي
على مدى سنوات، تحولت زراعة الدلاح بطاطا إلى نموذج صارخ للاختلال البيئي وسوء الحكامة، حيث استُنزفت الفرشات المائية عبر ثقوب مائية عشوائية، في غياب مراقبة صارمة، وباستفادة فاعلين نافذين من مساحات شاسعة من الأراضي، على حساب الساكنة المحلية وحقها التاريخي في الأرض والماء.
وصف هذه الزراعات بـ“الألغام” لم يأتِ من فراغ، إذ لم تخلّف سوى التصحر، ونضوب المياه، ونسف أنماط العيش التقليدية، مقابل أرباح سريعة راكمتها أقلية، في منطقة تعاني أصلاً من العطش والهشاشة المناخية.
إشارة إيجابية… لكنها غير كافية
يرى متابعون أن نزع هذه الزراعات يشكل إشارة إيجابية ورسالة واضحة بأن منطق الأمر الواقع لم يعد مقبولاً، غير أن هذه الخطوة، مهما كانت دلالتها، تظل ناقصة إن لم تُستكمل بمقاربة شمولية تعيد الاعتبار لحقوق الساكنة المحلية، وتمكّنها من الولوج العادل إلى أراضيها، ودعم مشاريع فلاحية بديلة، أقل استنزافاً للماء وأكثر انسجاماً مع طبيعة الواحات والمجالات الجافة.
فالتحدي الحقيقي، بحسب فاعلين بيئيين، لا يكمن فقط في وقف نزيف الدلاح، بل في بناء نموذج تنموي “رحيم بالإنسان ورفيق بالطبيعة”، يقطع مع الفلاحة الريعية ويعيد الاعتبار للفلاح الصغير والاقتصاد المحلي.
من التفكيك إلى المحاسبة
في تدوينته، شدد رشيد البلغيتي على أن فتح صفحة جديدة يمر بالضرورة عبر المحاسبة القضائية، ليس فقط في ملف الاستحواذ غير المشروع على الأراضي، بل أيضاً في قضايا “مافيا الثقوب المائية” والشبكات المتخصصة في نهب الدعم العمومي.
ويبرز في هذا السياق ملف دعم زراعة الطماطم، الذي أثيرت حوله مؤخراً شبهات اختلالات مالية وتفاوتات صارخة بين الأرقام المعلنة والواقع الميداني، ما يعزز مطلب ربط المسؤولية بالمحاسبة كشرط لأي تعافٍ حقيقي.
رهان التعافي واستعادة الثقة
تفكيك “ألغام الدلاح” قد يكون بداية مسار، لكنه لن يتحول إلى منعرج حقيقي إلا إذا تلاه قرار سياسي واضح بحماية الجغرافيات الهشة، وتفعيل القانون في حق لوبيات الأرض والماء، وإعادة توجيه الدعم العمومي نحو ما “ينفع الناس ويمكث في الأرض”.
بين التفاؤل الحذر وانتظار الأفعال، يظل أمل الساكنة معقوداً على أن لا يكون ما جرى مجرد لحظة عابرة، بل خطوة أولى لوقف النزيف، وفتح أفق تنموي عادل يعيد لطاطا توازنها وكرامتها البيئية





