الرئسيةالكتابثقافة وفنون

الكتابة كرحلة عبور بين الفلسفة والأدب والتاريخ في “نشيد الشك”

°فاطمة الزهراء محفوظ

يبرز كتاب “نشيد الشك: رحلات في ضفاف المعرفة” لعبد الكريم أوشاشا كعمل فكري وأدبي يعيد الاعتبار لفضيلة الشك، باعتباره شرطًا أصيلاً لكل معرفة حية، ولكل إنسان يسعى إلى فهم ذاته والعالم من حوله.

الشك ليس نقيضًا للحقيقة

ينطلق الكتاب الصادر حديثا عن منشورات النورس من فكرة مركزية واضحة: أن الشك ليس نقيضًا للحقيقة، بل طريقًا إليها. فالكاتب، مستندًا إلى تجربة شخصية وتأملات معرفية، يبيّن كيف أن اليقينيات الصلبة كثيرًا ما تتحول إلى عوائق أمام الفهم، بينما يظل الشك قوة دافعة نحو الاكتشاف والتجدد.

من هنا، يتحول النص إلى دعوة مفتوحة للقارئ كي يعيد النظر في علاقته بالمعرفة، وأن يتخلى عن الاطمئنان السهل لصالح مغامرة فكرية أكثر قلقًا، لكنها أكثر صدقًا.

لا يكتفي “نشيد الشك” بهذا البعد التأملي، بل يخوض أيضًا في قضايا حساسة تتعلق بحرية التعبير، وتاريخ الرقابة، و”اغتيال الكتب” عبر العصور. يستعرض المؤلف نماذج من منع الكتب وحرقها، من الفلسفة اليونانية إلى التجارب الحديثة، ليبرز كيف أن الخوف من الكلمة الحرة ظل ملازمًا للسلطات السياسية والدينية على حد سواء.

الكتاب دفاعًا صريحًا عن حق الاختلاف

وفي هذا السياق، يصبح الكتاب دفاعًا صريحًا عن حق الاختلاف، وعن ضرورة أن تظل المعرفة فضاءً مفتوحًا للتعدد والتنوع.

ينجز عبد الكريم أوشاشا في كتابه “نشيد الشك: رحلات في ضفاف المعرفة” مشروعا فكريا متكاملا، ينفتح على حقول متعددة: الفلسفة، الأدب، التاريخ، وعلم النفس، ليصوغ من خلالها رؤية عميقة ومركّبة حول العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين الحرية والرقابة، بين الإبداع والسلطة.

يبحر أوشاشا بالقارئ عبر نصوص تتقاطع فيها أسماء كبرى من تاريخ الفكر الإنساني، من أرسطو إلى حنة أرندت، ومن سلمان رشدي إلى هاروكي موراكامي، ليكشف كيف أن معركة الإنسان من أجل التفكير الحر لم تكن يومًا معركة سهلة أو محسومة.

يكتب نفسه في منطقة التماس بين الفلسفة والأدب والصورة والسرد

لا يستقر النص في جنس واحد؛ فهو يكتب نفسه في منطقة التماس بين الفلسفة والأدب والصورة والسرد الثقافي. حيث ينسج شبكة من الحوارات الصامتة مع أعلام الفكر الإنساني، من أرسطو إلى حنة أرندت، ومن سلمان رشدي إلى موراكامي، وتتحول القراءة إلى شكل من أشكال السفر في الأزمنة والأفكار. هذا التعدد يمنح النص عمقًا تركيبيًا، يجعل من المعرفة فضاءً متداخلاً لا يعترف بالحدود الصارمة.

أسلوبيًا، يكتب أوشاشا بلغة أنيقة تجمع بين العمق الفلسفي والنَفَس الأدبي، حيث تتجاور الحكاية مع الفكرة، والتأمل مع السرد، في نصوص تنبض بحس إنساني عالٍ. إن القارئ لا يجد نفسه أمام خطاب أكاديمي جاف، بل أمام كتابة حية، مشحونة بالأسئلة، ومفتوحة على احتمالات التأويل.

يحمل كتاب «نشيد الشك: رحلات في ضفاف المعرفة» تجربة فكرية تتجدد مع كل قراءة، لأنه يفتح أبواب الأسئلة على مصاريعها. إنه كتاب يذكّرنا، في نهاية المطاف، بأن المعرفة الحقيقية تبدأ من تلك اللحظة الدقيقة التي نجرؤ فيها على الشك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى