الرئسيةسياسة

20 سنة بعد هيئة الإنصاف والمصالحة..عدالة لم تكتمل

تحرير: هدى سحلي 

بعد مرور عقدين على تقديم هيئة الإنصاف والمصالحة لتقريرها الختامي، يعود ملف العدالة الانتقالية في المغرب إلى واجهة النقاش العمومي، لا باعتباره تجربة حقوقية رائدة فقط، بل بوصفه مسارا سياسيا ومجتمعيا ما يزال مفتوحا على أسئلة الذاكرة، والحقيقة، وضمانات عدم التكرار.

في هذا السياق، نظمت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ندوة فكرية حقوقية تحت عنوان «تجربة العدالة الانتقالية المغربية: المسار، المنجز، والدروس المستفادة»، بهدف إعادة فتح نقاش نقدي حول حصيلة هذا المسار، بعيداً عن منطق الاحتفاء، وقريباً من منطق التقييم واستشراف المستقبل.

العدالة الانتقالية: مسار لم يكتمل

أجمعت مداخلات الندوة التي نظمت يوم السبت 24 يناير 2026 بالبيضاء، على أن تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب، رغم ما راكمته من مكتسبات مهمة، لم تُستكمل بعد، سواء على مستوى كشف الحقيقة، أو جبر الضرر، أو ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان. كما ظل أثرها على السياسات العمومية محدودا، في ظل ضعف التراكم الأكاديمي والبحثي المرتبط بذاكرة الانتهاكات الجسيمة.

وفي هذا الإطار، أكدت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان أن العدالة الانتقالية ليست حدثا منتهيا، بل مسارا مستمرا يتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والجامعة، مشددة على أن التشريع والمؤسسات لا يكفيان دون إرادة سياسية حقيقية، وتحول ثقافي يرسخ قيم الحقوق والحريات.

كشف الحقيقة… ملف ما يزال مفتوحا

في مداخلته، قدّم مصطفى بوجعبوط مدير المركز المغربي للعدالة الانتقالية ودراسة التقارير الدولية، قراءة نقدية لحصيلة العدالة الانتقالية، معتبرا أن كشف الحقيقة يظل من أبرز الملفات العالقة بعد عشرين سنة على تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة. وأوضح أن هذا المجال ظل محدودا، رغم التحريات التي أنجزتها الهيئة، حيث ما تزال عشرات حالات الاختفاء القسري غير محسومة بشكل نهائي.

وأشار إلى وجود فجوة بين المعطيات الرسمية وتقارير الحركة الحقوقية، التي تتحدث عن أعداد أكبر من الحالات غير المكشوفة، خاصة في ما يتعلق بتحديد أماكن الدفن التي يقدّر عددها بأزيد من 460 حالة، دون اعتماد تحقيقات علمية دقيقة لتحديد هويات الضحايا.

كما توقف المتدخل عند ملف رفات الضحايا، منتقدا ضعف اللجوء إلى التحاليل العلمية، وعلى رأسها الحمض النووي، معتبرا أن هذا القصور يمس جوهر الحق في الحقيقة. وطرح، في السياق ذاته، إشكالية الملفات خارج الأجل، معتبرا أن رفضها يفتقر إلى أساس قانوني متين، خاصة في ظل تأخر نشر النظام الأساسي لهيئة الإنصاف والمصالحة في الجريدة الرسمية.

أما في ما يخص جبر الضرر الفردي والجماعي، فسجل بوجعبوط حرمان عدد من الضحايا من التعويض أو من استكمال جبر الأضرار، إضافة إلى توقف برامج جبر الضرر الجماعي، داعياً إلى تقييم شامل لهذه البرامج وربطها بحاجيات الضحايا الفعلية.

العنف والذاكرة: قراءة في العمق التاريخي

من جانبه، قدّم خالد أوعسو استاذ التاريخ المعاصر والزراعه بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، مقاربة تاريخية وسوسيولوجية للتجربة المغربية، شدد فيها على أن العدالة الانتقالية لا يمكن فهمها خارج سياق تاريخي طويل تشكّلت داخله ممارسات العنف وتدبيره داخل الدولة والمجتمع.

وأوضح أن الاختصاص الزمني لهيئة الإنصاف والمصالحة، الممتد من 1956 إلى 1999، لا يطرح فقط إشكالا إجرائيا، بل يكشف عن طبيعة العنف السياسي في المغرب وكيفية تأطيره عبر مفاهيم الشرعية والسلطة. واعتبر أن التقرير الختامي للهيئة حمل بعدا استشرافيا، يتجاوز معالجة الماضي إلى مساءلة الحاضر واستشراف المستقبل.

وأشار المتدخل إلى ما سماه الهوية المزدوجة للدولة المغربية، بين البعد السلطاني ذي المرجعية الدينية، والبعد المخزني المرتبط بتدبير الشأن السياسي، معتبرا أن هذه الازدواجية أثرت في طرق ممارسة العنف وتدبيره، وفي آليات الضبط السياسي. وشدد على أن الذاكرة الجماعية تظل مدخلا أساسيا لأي مصالحة حقيقية مع الماضي.

من الضحية إلى المواطن: تحول موقع الفرد

من جهته، ركز المحامي وعضو المنظمة المغربية لحقوق الانسان، اسماعيل الجباري، على البعد السياسي والحقوقي لتجربة العدالة الانتقالية، معتبرا أنها ساهمت في إحداث تحول نوعي في موقع الفرد داخل المنظومة السياسية.

وأوضح أن السياق الذي أحدثت فيه هيئة الإنصاف والمصالحة كان يتميز بمسافة واضحة بين الدولة والمجتمع، غير أنه شكّل لحظة مفصلية لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمواطن.

وسجل أن من أبرز مكتسبات هذا المسار الانتقال من تصور المواطن كموضوع للسلطة إلى اعتباره فاعلا وشريكا في الشأن العام، وهو تحول مسّ جوهر الحقوق السياسية، وفتح نقاشا جديدا حول المشاركة والمساءلة والمسؤولية.

وأضاف الجباري أن توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة كان لها أثر ملموس في تطور الإطار الدستوري والحقوقي، وساهمت في إدماج حقوق الإنسان داخل التصورات السياسية والمؤسساتية، رغم استمرار عدد من الاختلالات والتحديات.

عدالة انتقالية… وأسئلة المستقبل

خلصت الندوة إلى أن العدالة الانتقالية في المغرب تظل مساراً مفتوحاً، يتطلب تقييماً نقدياً مستمراً، يضع في صلبه قضايا كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، وتعزيز مكانة الإنسان داخل الدولة. كما شدد المتدخلون على أن ضمان عدم تكرار الانتهاكات يظل رهيناً بإرادة سياسية واضحة، وبإدماج فعلي لقيم حقوق الإنسان في السياسات العمومية والممارسة اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى